من ظنَّ أنه بلا ذَنْبٍ فقد أَذْنَبْ! ومن ظنَّ أن رحمةَ الله لا تسعُ ذَنْبَهُ فقد أَغْرَقَ في الذَّنْبْ! ومن دَأْبِ العارفين بالله، أن إذا عصى الواحد منهم ربَهُ سارع إلى التوبة، وأدَّاها بشروطها المعهودة، بل زاد على ذلك أن يقدم عملاً صالحاً بين يدي توبته.

ما نفهمه من قول الله تعالى: “إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ” (هود: ١١٤) وقوله: “إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ” (الفرقان: ٧٠)، ما نفهمه أن الله يحب لكل من عصى بجارحة من جوارحه أن يحسن بها لتتبدل السيئةُ حسنةً؛ فمن عصى بيده مدَّها للخير إحساناً يمحو ما اقترفت يداه، ومن مشى إلى الحرام سعى مسعى خيرٍ يغفر ما خَطَتْ إليه رِجلاه، ومن أَشْرَعَ لِسانه بسَيِّء القول مغفورٌ له إن هو أشغله بذكر الله، وهكذا دواليك… وجِماع الخير كله أن يركع لله ركعتين على نيَّةِ توبته، فيها استقامةٌ على أمر الله بأقدامه، ونبذٌ لدنيا يلقيها خلف ظهره رافعاً يديه بتكبيره، فيها ذكرٌ لربه بلسانه، وخشوعٌ لله بجنانه، وهدايةٌ من الله بتلاوة قرآنه… ثم يختمها بالصلاة والسلام على رسول الله وعلى من صلح من عباده. من كان هذا حاله، ألا يخرج من توبته مغموراً من الله بأَمانِهْ؟!

يروي سيدنا عَلِيٌّ بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يقول: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى لِذَلِكَ الذَّنْبِ إِلَّا غَفَرَ لَهُ”. وَقَرَأَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ ‏”‏وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا‏” (النساء: ١١٠)،‏ ‏”‏وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ‏ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ” (آل عمران: ١٣٥). حريٌ أن نذكر أن الآية الأولى التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم من سورة النساء، يقول عنها سيدنا عبد الله ابن مسعود أنها أرجى أية في كتاب الله؛ أي فيها من الأمل والرجاء في جنب الله ما فيها، فيكفيك أن تطلب المغفرة من الله تلهج بالاستغفار، والله حاضر لك بالمغفرة والرحمة على قدر حضور قلبك بالذكر والإخلاص له بطلب المغفرة.

ومما يملأ القلب بِشراً برحمة الله وطمعاً بما أعده للتائبين، حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: “التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ”، تكفيك التوبة لتعود نقياً صافياً، لا يقل عنه بِشراً وأملاً حديث سيدنا عَمْرو بْنُ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، ذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي قِصَّةِ إِسْلَامِهِ قَالَ: ثُمَّ تَقَدَّمْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ يُغْفَرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي، وَلَمْ أَذْكُرْ مَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ لِي: “يَا عَمْرُو بَايِعْ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَإِنَّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهَا”، فَبَايَعْتُهُ. وما زلنا نتفيأ ظلال ذكرى الهجرة الشريفة لرسولنا صلى الله عليه وسلم، الذي بيّن من هو المهاجر الحق في حجة الوداع: “المهاجر من هجر الذنوب والخطايا”، فحين يجتمع للمرء إسلام وهجرة للمعاصي والذنوب، يكون حقاً أهلاً للبشارة بالعفو عما فات، ومغفرة للسيئات؛ لذلك درج على ألسنة الصالحين قولهم: التوبة تجُبُّ ما قبلها، فهماً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قاله في جملة أحاديثه.

جاء في تفسير قول الله تعالى: “إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ” (المائدة: ١١٨)، فيما يروى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول عيسى ابن مريم عليه السلام: “إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم”، فرفع يديه فقال: “اللهم أمتي”، وبكى، فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمد – وربك أعلم – فاسأله: ما يبكيه؟ فأتاه جبريل، فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك. بشارة الله لرسوله الكريم تصيبنا أجمعين بإذن الله، وما نحن إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، زادنا حبه، وملاذنا قربه، وأُنْسُنا نهجه، ونجاتُنا بأمر الله شفاعته، لن نُساء ونحن على دين الله، وفينا حب رسول الله، وهذا وعد الله لنبيه، ووعد الله لا يتخلف ولا يتبدل.

خلاصة مقالي، أبشروا عباد الله، يتودد الله لعباده باسمه الودود، ويعفو عنهم ويرحم ويغفر لهم، وهو العفو الغفور الرحيم. ما كان لأحد أن يُضيق رحمة الله، فضلاً أن يكون وصِياً عليها، ما كان الله ليذر التائب وحيداً في الطريق تتلقفه الشياطين، ما كان الله ليُضيع إيمان المؤمن ولو كان مثقال ذرة، ولو عاد العاصي للمعصية ألف مرة، ثم تاب ألف مرة، لوجد الله غفاراً في كل مرة… فيا عباد الله، حببوا الله لعباده، وزينوا لهم طريق الرجوع، وكونوا عوناً لهم على الشيطان، وحرزاً لهم من العدوان، لا تُغلقوا باباً جعله الله مشرعاً إلى يوم القيامة، لا تنظروا شزراً لعاصٍ ضعف يوماً لأهوائه، بل قربوه ودرب التوبة عرفوه، وكونوا دعاة لله لا قضاة على عباد الله، ولا تغفلوا عن وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما يوم بعثهما إلى اليمن دعاة إلى الله: “يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا”، بشروا عباد الله بمغفرة الله، وأبشروا بالخير من الله.

الشيخ جعفر حوى