عندما تتصل بك إحدى الأمهات تشتكي ابنها الشاب الذي قد ضاع وانحرف أو يكاد بسبب رفقاء السوء.

عندما يأتي إليك والد يطلب منك أن تقنع ابنته أن زواج المسلمة من غير المسلم لا يجوز في دين الإسلام.

بل عندما تأتيك فتاة قد تركت أسرتها، وفرّت مع صديقها، وأقامت معه علاقة غير شرعية، كي تجري لهما عقد الزواج، حفاظا على كرامة الجنين الآخذ بالتخلق في أحشائها.

هذه بعض القضايا التي تصل إلى المسجد، وهي على فظاعتها لا تشكل سوى قمة جبل الجليد؛ إذ هنالك أضعاف هذه القضايا، وما هو أبشغ وأفظع منها، لا يصل إلى دور العبادة، ومكاتب الأئمة وهواتفهم.

وهنا نتسائل: أين الخلل؟ ومن المسؤول عن وجود مثل هذه الممارسات التي تتعارض مع جميع قيم وأخلاق ومبادئ المجتمع المسلم؟!

من وجهة نظري: أن المسؤول الأول عن هذا الخلل هم الآباء والأمهات أنفسهم! الذين قصروا في واجبات التربية سنوات، وتجاهلوا العديد من الإشارات والتحذيرات، ولم يستفيقوا إلا بعد فوات الأوان، ووقوع المصيبة، فما كان لديهم من خيار سوى طلب النصح والمساعدة من المسجد، وكأن الإمام يمتلك عصا سحرية يستطيع بها أن يغير الأحداث والعقول والنفوس.

إن هذه القضية تتجاوز في خطرها البعد الديني والاجتماعي والأخلاقي إلى اعتبارها خيانة للأمانة التي تحمّلها الوالدان، وقبلا بهذه المسؤولية عندما قررا تكوين أسرة وإنجاب أبناء.

نعم. إن الأمانة التي رفضتها السماوات والأرض والجبال، وأشفقت من تبعاتها، قد قبل الإنسان بتحملها، وللأسف فإن كثيرا من الناس تحمّل هذه الأمانة وهو جاهل بمقتضياتها، فوقع في ظلم نفسه وظلم من حوله “إنه كان ظلوما جهولا”.

ولا شك أن الإنسان سيسأل يوم الحساب عن هذه الأمانة؛ قال – صلى الله عليه وسلم -: “إن الله سائل كل راع عما استرعاه أحفظ، أم ضيع؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته”[1].

إن الحياة التي يعيشها المسلم في الغرب، رغم ما تتميز به من العديد من الإيجابيات، سواء على مستوى حرية الرأي، وفرص العمل، والتعليم، وحقوق الإنسان، وتكافؤ الفرص، لها – لها في المقابل – ضريبتها التي يتحملها – بالدرجة الأولى – أبناؤنا وبناتنا؛ فسواء على مستوى المدرسة والجامعة، أو المجتمع والجيرة، أو الرفقة والأصدقاء، أو الإعلام والتواصل الاجتماعي، تجد أن هنالك العديد مما يدفع أبنائنا بعيدا عن القيم والأخلاقيات التي تتعارض بشكل صارخ مع ما نشأ عليه الآباء.

وإن إهمال الآباء لواجب التربية والتوجيه، وإرشاد أبنائهم للتمييز بين ما هو صواب وما هو خطأ، بين ما هو نافع وما هو ضار، بين ما هو مقبول وما هو مرفوض على مستوى الدين والأخلاق والقيم، إن إهمال الآباء لهذا الواجب الضروري في حق أبنائهم يؤدي – بشكل شبه مؤكد – إلى انحراف الأبناء، وابتعادهم عن المبادئ والأسس والقيم والأخلاقيات التي ينبغي لهم التحلي بها، الأمر الذي يظهر فيما بعد على شكل ممارسات غير مقبولة لدى الآباء، الذين يبدؤون بمحاولة تدارك الضرر وطلب النصح، لكن بعد فوات الأوان في معظم الحالات.

لقد آن الأوان للجميع أن يقرعوا ناقوس الخطر! الخطر الذي يداهم أغلى ما نملك في أغلى ما يملكون، الخطر الذي يتهدد فلذات أكبادنا ويهدد هويتهم وأخلاقهم وقيمهم ودينهم. وهو خطر لا يجوز السكوت عليه، ولا يحق للآباء والمربين إغفاله أو تجاهله.

إن الحياة التي نعيشها في الغرب، على كل ما فيها من الإيجابيات، تتضمن العديد من الأمور التي تدفع بالإنسان البالغ الرشيد إلى الإنحراف، فكيف بالأطفال والمراهقين والشباب والفتيات اليافعين، الذين تؤثر هذه الظواهر في تكوين شخصيتهم وبناء هويتهم.

نحن لا ندعوا هنا إلى الهرب أو الإنعزال عن المجتمع، فالهروب من المشكلة لا يمكن أن يكون هو الحل! إنما ندعوا إلى بناء الوعي، والتحلي بالمسؤولية لدى الآباء والأمهات أولا، وقيامهم بدورهم المطلوب منهم في تربية أبنائهم تربية سليمة قويمة، والأخذ بيدهم وإرشادهم إلى الأخذ بمحاسن الأمور ومعاليها، والابتعاد عن محدثاتها وشرورها وسفاسفها، بغض النظر عن مصدرها ومن يدعو إليها وينظر لها. فإن فعلنا ذلك تحصلنا على المسلم الواعي الذي يأخذ بمحاسن الشرق والغرب، ويتحلى بمعالي ما في الثقافتين من القيم والآداب والأخلاق. وإن قصرنا في ذلك، فإننا نساهم في تحوّل الأجيال القادمة من أبنائنا وبناتنا إلى مسوخ أخلاقية، لا هم تخلقوا بأخلاق وقيم الحضارة الشرقية، ولا هم أخذوا بمبادئ النهضة والتقدم التي تمتاز بها الحضارة الغربية، فصاروا كما قال الله تعالى: “لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء”.

ختاما: إن الأمانة كبيرة، والعبء ليس يسيرا، ولا مناص أمامنا كآباء ومربين من أن نأخذ بزمام المبادرة، ونعمل على استنقاذ أبنائنا، والأخذ بأيديهم إلى بر الأمان، لقد حان والوقت أن نتدخل؛ فإن أبنائنا في خطر!

الشيخ الدكتور هيثم زماعرة

(في المقالة القادمة سأتطرق إن شاء الله إلى بعض المبادئ والوسائل التربوية الأساسية التي تساهم في الحفاظ على أبنائنا وإنقاذهم من الخطر الذي يتهددهم في دينهم وأخلاقهم وثقافتهم).

[1]  أخرجه النسائي في “عشرة النساء” 292 عن إسحاق بن إبراهيم، بهذا الإسناد. والترمذي 4/208، وصححه الألباني (السلسلة الصحيحة  4 / 180).

ويشهد له حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته: الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، فكلكم راع ومسئول عن رعيته”. (متفق عليه).