لا يغيب اسمه عن بال كثير من المسلمين، الصحابي الجليل زيد بن ثابت، أحد كُتابِ الوحيْ، الذين استأمنهم رسول الله على كتاب الله، فكان ينادي الواحد منهم باسمه ويقول له: “اكتب”، ويقرأ عليه ما أنزله الله من الآيات.. فكانوا أعلم الناس بكتاب الله، يعرفون آيات الله قبل غيرهم، وبمن نزلت، ولمَ نزلت، ويتلقون آيات الله غضة رطبة من الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام.

ما الذي جعل زيد ابن ثابت رضي الله عنه يحظى بهذه المكانة عند رسول الله؟ لا بد من دافع وحافز، ولا بد من وجود مساند له. لذلك قصة، حصلت في صغره، وقد رأى الصحابة الذين يفوقونه سناً يتقربون من رسول الله، ويجاهدون معه، ويكونون كظله، وهو صغير السن ما له إلى ذلك سبيل، أضمر في نفسه أنه يريد القرب من رسول الله، وكيف الطريق لذلك؟ أخبر أمه النُّوار بنت مالك رضي الله عنها أنه سيتوجه نحو القرآن وعلومه، وحفظ بعض السور التي نزلت على رسول الله، وكانت يومئذ ١٧ سورة، فحفظها حقاً كما نزلت على رسول الله، وإلى جنب ذلك كان بجيد القراءة والكتابة، فسُرّت أمه بذلك، وزادت في تحفيزه وتشجيعه، وحملته إلى رجال قومه تحدثهم بشأنه واتقانه، فحملوه إلى رسول الله، فهش له وبش، وفرح به فرحاً شديداً، ومرت الأيام وعدّه الرسول كاتباً عنده بالعربية والعبرية والسريانية، واستأمنه على الوحي.

الشاهد من هذه القصة: أن نعلم كم هو مهم وضروري دور الأم في حياة أبنائها، وكم تستطيع الأم إذا قامت بدورها حقاً، أن تصنع لأبنائها مستقبلاً مشرقاً، في كل الجوانب والمسالك، ليس فقط القرآن الكريم، وليس هذا منوطاً بالأم فقط، بل بالأب والمقربين من الأبناء كذلك.

نقاط مهمة سأذكرها هنا فيها نفع بإذن الله لكل من يرغب أن يوجه أبناءه نحو القرآن، وأن يكون لهم مع القرآن شأن خاص، فيه خير الدنيا والآخرة:

– عندما نريد من أبنائنا أن يتوجهوا نحو القرآن قراءة وحفظاً وفهماً وتدبراً، علينا أن نسبقهم في سلوك ذلك الطريق، “أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ” (البقرة: 44)، ومعروف في أساليب التربية أن أكثر الأساليب تأثيراً هو التربية بالقدوة، فيقتدي الابن بما يراه ماثلاً في أبويه.
– أول الطريق أن يكون لكل راغب في رِفقةِ القرآن نصيبه من القراءة الصحيحة السليمة، وجاءت من رسول الله كثير من الشواهد موجَهةً إلى كل فئات المجتمع المسلم تحث على ذلك:
“اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه” (رواه مسلم)
“مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة” (رواه البخاري)
“من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها” (رواه الترمذي)
– لما نوجه أبناءنا لحفظ القرآن، يجب كذلك أن نوجههم لعظيم هذا الكتاب الذي يحملونه، والمسؤولية التي تترتب عليهم لما يحفظوه أو يحفظوا بعضه، “ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ” (فاطر: 32)، لفظة “اصطفينا” تشير إلى أن حامل القرآن وصاحبه يختاره الله اختياراً من بين الناس، وليس كل من يدعي نسباً بالقرآن صادق بطبيعة الحال.. فالذي يصدّقُ ذلك أو يكذبه هو حال هذا الإنسان ومعاملته وامتثاله لتعاليم هذا القرآن حقاً. فالآباء ومعلمو القرآن معنيون بأن يُظهروا هذه المسؤولية للأبناء وطلاب القرآن، وأنهم محاسبون إن قصروا في حق القرآن؛ فلقد أقسم الرسول عليه السلام أنَّ هذا القرآن “أشدُ تفلتاً من الإبل في عُقُلِها” (رواه مسلم)، وقوله صلى الله عليه وسلم: “أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة” وذكر منهم القارئ (رواه الترمذي)، لأنه ما أقام لهذا القرآن مقامه الحق، أعطاه الله القرآن فما حمله حق حمله، فكان حجة عليه وشاهداً على تقصيره وعدم ابتغائه وجه الله فيه.

– ما أجمل أن نتشارك مع أبنائنا مشوار القرآن!! نقرأ معهم، ونستمع لتلاوتهم، ونثني عليها، وإن أخطأوا!! نزيد في تحفيزهم، نكون شركاء لهم في إنجازاتهم على هذا الطريق الطويل، ما أجمل أن تجلس الأم بجانب طفلها يقرأ لها، وتصحح له أخطاءه!! وتوضح له ما خفي عنه من المعاني التي عرفتها هي وألمّت بها.. القرآن للجميع، ليس فقط لأبنائنا، ومهما كبرنا ووصلنا من العلم ما وصلنا، قد يسوق الله على أفواه الصغار ما عجز عنه العلماء الكبار، عيشوا القرآن مع أبنائكم، ولا يرى الأبناء أنه حمل ثقيل على أكتافهم يحملوه لوحدهم، ولا يجدوا من آبائهم ما يعينهم على ذلك، حينها سيكون همهم كيف نتخلص من هذا الحمل، وكيف نختلق الأعذار والأساليب للتملص منه، ولن نصل بحال إلى نتيجة مرضية.. كونوا أنتم أولاً كما تحبوا لأبنائكم، ولا تظنوا أنكم إذا وجهتموهم نحو القرآن أن ذلك بمثابة شهادة حسن سلوك لهم، حتى وإن تمكنوا من ختم القرآن كاملاً، فهم دائماً بحاجة إلى وقفتكم ونصحكم ومراقبتكم في الخير والشر، ما وجدتم من خير فاشكروه وعززوه، وما وجدتم من سوء فانهوا عنه وصوبوه، وليكن همنا وشغلنا الدائم أن نصل إلى المثال السامي الراقي: “كان خلقه القرآن” (رواه أحمد)، صلى الله عليه وسلم.

ليس هذا كل شيء، بل إنما هي شذرات منتثرة، لعلها تجد من يجمعها، ويعمل بما جاء فيها، فيستمر الأجر ويتضاعف، فالقرآن بركة لا تنقضي، وخير لا ينتهي، ونبع دفاق ندي.. فأين المشمّرون؟ وأين الواردون؟.

شيخ جعفر حوى

Sh Jafar Hawa

2016-08-15T22:05:41-05:00