بدأنا الحديث في الشهر السابق عن النوع الرابع من أنواع التربية، وهو التربية الاجتماعية، والمجتمع يعني بمدلول اللفظ علاقات بين الناس بعضهم بعضاً، والعلاقات لا تعدو كونها علاقات واقعية، وأخرى افتراضية، وتحدثنا في المقال السابق حول ستِّ دوائر مهمة في العلاقات الواقعية المحيطة بأبنائنا وبناتنا في حياتهم ويلمسونها عياناً، والتي ينبغي ضبطها بما يوافق الشرع الحنيف بضابط القرآن والسنة، واليوم حديثنا حول العلاقات الافتراضية، والتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأجهزة الالكترونية الذكية. وقبل الخوض في تفاصيل مقالنا، لا بد من لفت الانتباه إلى القضية الأهم عندما نتحدث عن وسائل التواصل أو عن استعمال الأجهزة الذكية، ألا وهي الوقت، وكيف حث الإسلام على ضبطه وقضائه فيما فيه الفائدة، وألا يمضي سدى:

 

  • في القرآن نجد أن الله أقسم بالعصر: “وَالْعَصْرْ، إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ” (العصر: ١-٣)، والعصر هو الوقت، وجواب القسم خسران الإنسان، إلا المؤمن الذي يضبط وقته الذي هو الحياة.
  • في الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ: “اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ” (البيهقي). نجد أن النبي ﷺ ذكر من ضمن ما ذكر الفراغ، وأهمية اغتنامه بما فيه الخير، وإلا كان غراماً على صاحبه.
  • وفي الحديث الصحيح الآخر: “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه‏” (الترمذي)، والعمر هو الوقت الذي سيسأل عنه المرء يوم القيامة، كيف مضى وكيف انقضى؟.
  • ولعلمائنا قول حكيم: نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وإن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية.

 

ثم بالحديث عن العلاقات الافتراضية، والتي تنشأ عبر مواقع الشبكة العنكبوتية المختلفة، وتأخذ حيزاً كبيراً من تفكير أبنائنا وبناتنا، نجد أن هذه العلاقات قد تتطور أحياناً لتكون علاقات واقعية، لكنها في كثير من الأحيان تبقى افتراضية غير حقيقية، والمقلق كثيراً، أنها على الرغم من افتراضيتها إلا أنها تبني شخصياتهم وأفكارهم وتصرفاتهم في الواقع العملي، مما يعني في كثير من الأحيان شخصيات مهزوزة، وأفكار هدامة دخيلة، وعلاقات غير منضبطة، مع عدم إنكار بعض النفع هنا وهناك.

 

من خلال هذا المقال، دعوني ألفت النظر إلى مجموعة من الأسئلة المهمة، التي يسألها الآباء والأمهات وتشغل بالهم وتفكيرهم، إذا ما تعلق الأمر بهذه العلاقات الافتراضية وما وراء ذلك العالم الافتراضي برمّته، وأقصد هنا المهتمين منهم على الأقل، لأن بعض الآباء والأمهات اختاروا الاستقالة من مهمتهم في التربية والتوجيه، وكانوا السبب في تفلت أبنائهم؛ فخسروا أبناءهم، وخسرهم أبناءهم، ليسوا موضوع الحديث هنا، بل هم موضعُ دعائنا بالهداية والرجوع، والإصلاح والثبات على طريق الحق والخير، من هذه الأسئلة المهمة:

 

  • متى يجب عليَّ شراء هاتف ذكيٍّ لأبنائي؟

السؤال الأمثل: هل أبنائي جاهزون للدخول إلى هذا العالم أم لا؟ لأنه لا يجب عليك أن تشعر بتأنيب الضمير إن لم تشترِ لهم هاتفاً ذكياً، لكنك حتماً ستشعر بتأنيب الضمير إن اشتريت لهم هاتفاً ذكياً أودى بهم إلى المهالك الكثيرة.

في كثير من نصائح التربويين والأطباء النفسيين، نجد أنهم لا يفضلون أن يكون للطفل هاتف خاص قبل سن السادسة عشر، على اعتبار أنهم قادرون على قيادة السيارة في هذا العمر، أو على الأقل في بعض البلدان كأمريكا مثلاً، برفقة بالغ راشد مرخص له بالقيادة، بل بعضهم يؤكد على ضرورة اقتنائهم هاتفاً غير ذكيٍّ في أول الأمر، يستخدم فقط للاتصال، والاطمئنان حال الغياب عن المنزل. لكن هذه التوصية لا يجب أن تُحمل على الوجوب؛ فإن رأيت أن أبناءك ليسوا مستعدين لهذه المسؤولية بعد، فلا عليك أن تُقحمهم هذا العالم من أساسه، إلى حين التثبت من جاهزيتهم، واستعدادهم لاتباع التعليمات والإرشادات التي تضعها لهم، وهذا مهم جداً؛ فلا يصح، حتى وإن تملكوا هاتفاً ذكياً، أن تترك لهم الحبل على الغارب، وأن تفتح لهم الباب على مصراعيه، أنت المسؤول الأول والأخير عن ذلك كوالد لهم، في أن تضبط المسألة وتتأكد من خلو الموانع والمخالفات في استعمالهم لهذه الأجهزة.

 

  • كم يسمح لهم بقضاء وقت على هذه الأجهزة الذكية؟

هنا يتم التخبط وعدم الاهتمام، بل التغاضي غير المبرر من بعض الآباء والأمهات، في قدر الوقت المهدور في استعمال هذه الأجهزة، ولدى استقرائي للعديد من الآراء من التربويين والأخصائيين، أرى أن هذا التصنيف هو الأقرب للمنطق السليم، الذي يحفظ الأبناء من الإدمان على هذه الأجهزة، ويضمن لهم مسافة من المرح والترفيه فيما لا حرج فيه، ويستند هذا التصنيف على عمر الأطفال كمعيار لتحديد الوقت المسموح أو الموصى به لاستعمال هذه الأجهزة الذكية:

  • قبل السنتين: الأجهزة الذكية لهذه الفئة العمرية محرمة تماماً؛ لتشكل شخصية الطفل ونموه السريع، ومن المهم في هذه الفترة التواصل المباشر مع البيئة من حوله، ومع الأشخاص بشكل خاص، بناء الشخصية الاجتماعية من خلال العلاقات الحقيقة هو الأهم في هذا العمر.
  • من ٢ سنتين إلى ٦ سنوات: ساعة يومياً بمعدل ٧ ساعات أسبوعياً.
  • من ٦ سنوات إلى ١٢ سنة: ساعتين يومياً بمعدل ١٤ ساعة أسبوعياً.
  • ١٢سنة فما فوق: ٣ ساعات بالحد الأقصى وتكون متقطعة قدر المستطاع وليس في جلسة واحدة.

 

كلما زاد جلوس الأطفال لهذه الأجهزة الذكية، كلما زاد خطر تعرضهم للإدمان، وللعديد من الأمراض النفسية، والتي تؤثر تأثيراً مباشراً في بنيانهم العقلي والجسدي، وعلامات ذلك كثيرة وشديدة الوضوح، يكفي أن تسحب ذلك الجهاز الذكي من أيديهم، وتراقب ردة أفعالهم الشديدة، بين الصراخ الشديد، أو البكاء، أو العنف، أو نوبات العصبية غير المبررة… إلى غير ذلك، وكأنها نهاية الحياة بالنسبة لهؤلاء الأطفال مدمنين.

 

  • متى يسمح لهم باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي؟

العديد من مواقع التواصل الاجتماعي لا تسمح للأطفال بالولوج إليها قبل سن الثالثة عشر، لكن ما الحل إذا كان الأطفال يزيفون تاريخ ميلادهم؟! في دراسة منشورة ل CNNلما قبل كورونا في أمريكا فقط، تمت لما يقارب ١٨٠٠ ولي أمر، أولادهم بين سن الثامنة والثامنة عشر، وُجد أن:

  • ٥٦٪؜ لديهم حسابات على المواقع الاجتماعية
  • متوسط العمر للاستخدام ١٢.٦ سنة
  • ٨٠٪؜ لديهم حسابات في عمر ١٣-١٨ سنة
  • ٢٣٪؜ لديهم حسابات في عمر ٨-١٢ سنة

 

النسبة المرعبة بين هذه النسب السابقة هي الأخيرة! نتحدث عن أطفال في مقتبل عمر الطفولة، لديهم حسابات نشطة وفعالة على هذا المواقع، ولك أن تتخيل كمية التلوث السمعي والبصري والفكري الذي يتعرضون له مع هذا العمر المبكر من حياتهم، فضلاً أن هذه الدراسة تمت قبل وباء كورونا، وما بعده لا شك أكثر رعباً وصدمة، مع توجه العالم كله إلى العالم الافتراضي، للعمل والتعليم والتواصل، والرجوع إلى ما كان عليه الوضع سابقاً يحتاج سنيناً طويلة إن حصل.

 

خلاصة الأمر: هذه المواقع لها سلبياتها ولها إيجابياتها، ومن يحدد ذلك هو المستخدم نفسه، ولما كان أبناؤنا غير قادرين على معرفة ذلك من تلقاء أنفسهم، لا بد من الوعي لدى الآباء والأمهات أنهم هم من يحمل الشعلة لأبنائهم وينيرون لهم عتمة ذلك الطريق، حتى لا يقع أبناؤنا أسرى للعديد من أمراض النفسية والجسدية، بل حتى لا يخسر أبناؤنا حيواتهم من خلال الاستعمال الخاطئ لهذه المواقع، وما أكثر الأمثلة! وما أصعبها على التصديق! أبناؤنا أمانة الله بين أيدينا؛ فلنحفظ أمانة الله، ولنتقِ الله في تربيتهم، ولنكن نحن وإياهم شركاء في رحلتنا إلى الله، نسير معاً، وندخل الجنة معاً بإذن الله.

الشيخ جعفر حوى