بسم الله الرحمن الرحيم

علم غريب الحديث … ضوابط الفهم الصحيح لكلام الرسول r (2)

أسباب وقوع الغرابة في أحاديث الرسول r: مقدمة توضيحية[1]

 

تطرقت في المقالة السابقة إلى التعريف بعلم (غريب الحديث)، وذكرت طرفا من جوانب أهميته، وضوابط الاشتغال به، كما عرّفت ببعض أعلامه ومصنفاتهم فيه.

إلا أن السؤال الذي قد يتبادر إلى الأذهان: ما هي أسباب وجود هذه الغرابة في بعض ألفاظ الحديث النبوي، وما الذي يدعوا الرسول r لاستخدام الغريب والوحشي من الألفاظ التي قد لا يفقه معناها كثير من أتباعه، بل قد يشكل فهمها على بعض أصحابه، وهم أهل اللسان والفصاحة والبلاغة؟

والحقيقة: أن الجواب على هذا السؤال يتطلب منا أن نتعمق في أسباب وقوع هذه الغرابة في بعض الألفاظ النبوية، بحيث تظهر الدوافع القائمة ورائها، والغايات الدافعة إليها.

وهذه الأسباب قد ترجع إلى لغة العرب نفسها، أو إلى المتحدث بها، سواء كان الرسول r بما كان يتمتع به من الخصائص، أو رواة الحديث عنه من أصحابه والمحيطين به، أو من يتلقى هذه الأحاديث ويستمع إليها من التابعين فمن بعدهم من الأجيال وصولا إلى عصرنا الحاضر.

فاللغة العربية في ذاتها تشتمل على ألفاظ مشتركة، وأساليب مجازية متنوعة، كما تشتمل على الوحشي من الألفاظ، والكلمات قليلة الاستعمال، إضافة إلى اشتمالها على الألفاظ الأعجمية التي تم عرّبت وأدخلت إلى لسان العرب بعد أن نحتت منها ألفاظ تتناسب مع لغة العرب.

يضاف إلى ذلك أن الإسلام – بعد أن جاء إلى العرب – قد نقل بعض كلامهم وأعطاه معنى جديدا غير معناه اللغوي الأصلي، وجاءت النصوص باستعمال هذه الكلمات في معانيها اللغوية والأصلية تارة، وفي معانيها الشرعية الاصطلاحية تارة أخرى، مما تطلب الرجوع إلى السياق والسباق بغرض معرفة المراد منها.

أما الرسول r، فقد تمتع بخصائص لم تتوفر لغيره، أدّت إلى وجود ألفاظ في حديثه قد تُشكل على من يسمعها منه، ومن هذه الخصائص: أنه أوتي درجة عليا في البلاغة والفصاحة، والقدرة على اختصار الكلام والإتيان بجوامع الكلم، مما لم يتحقق لأحد ممن عاصره أو جاء بعده، وكذلك فإنه أوتي القدرة على التخاطب مع العرب بلهجاتها المختلفة، ولكناتها المتنوعة، مما لا يبلغ أصحابه y إدارك معناه من كلامه.

وأما أصحابه y والرواة عنه، فلم يكونوا جميعا من قريش، ولا كان جميعهم ناطقا بلسانها، وإنما وفد كثير منهم من قبائل العرب، ولكل منها لهجة ولسان، فكانوا يسمعون حديثه، ثم ينقلونه إلى أقوامهم، ويبلغونه إلى من ورائهم بلهجتهم ولسانهم، وخاصّة ألفاظهم ومفرداتهم.

وأما ما يتعلق بما جاء بعدهم من القرون، من التابعين فمن يليهم، فإن اللسان العربي لدى كثير منهم كان قد داخله الفساد، واختلط بلسان الأعاجم الداخلين في الإسلام، وكلما تقدم الزمان كلما زادت الفجوة بين الناطقين بالعربية واللغة الأمّ، وحلت محلها اللهجات العامية واللكنات الغريبة، حتى غدت العربية الفصيحة لغة غريبة على مسامع كثير منهم، وأصبحت ألفاظها غريبة على أسماعهم، ومعانيها مشكلة لدى أفهامهم، بل دخل سوء الفهم واختلال الاستناط على كثير منهم، ففهموا من هذه النصوص ما يغاير معانيها الحقيقية، ومراداتها الأصلية، فتطلب الأمر التطرق إليها بالشرح والتوضيح، حتى تزول الغشاوة عن العقول، وتنجلي القتامة عن الفهوم، كما قال الشاعر:

وكم من عائب قولا صحيحا … وآفته من الفهم السقيم.

ومن خلال ما سبق، يمكننا إرجاع أسباب وقوع الغرابة في الحديث الشريف بحسب منشأها إلى نوعين من الأسباب:

أسباب ذاتية: ترجع ذات اللفظ، وتنشأ من طبيعته.

وأسباب خارجية: بمعنى أنها خارجة عن ذات اللفظ وطبيعته، وإنما نشأت بسبب ظروف استعمال اللفظ، وما وقع في هذه الظروف والأحوال من التغير، سواء على المستوى الاجتماعي أو التاريخي أو على مستوى البيئة التي يعيشها الإنسان.

وهذه الأسباب هي ما سأتطرق إلى بالتوضيح في المقالات القادمة بحول الله وقوته.

[1]  تنويه هام: تم الاستفادة في هذه المقالة من مقالة بعنوان: أسباب كثرة غريب الحديث – د. سيد مصطفى أبو طالب، على موقع شبكة الألوكة، مما يقتضي التنويه.

الشيخ الدكتور هيثم زماعرة