المقالة الأولى: قراءة للأحداث.

وأخيرا … مر يوم العشرين من يناير / كانون الثاني بسلام، واستقر ساكن الأبيض الجديد – الرئيس جوزيف بايدن – فيه، بعد أدائه القسم وإقامة إجراءات تنصيبه رسميا ليكون الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية، دون وقوع اعتداءات أو حوادث خطيرة، كما كان يتوجس العديد من المتابعين والمراقبين.

لا يمكن القول إن تنصيب رئيس أقوى دولة في العالم يعدّ حدثا عاديا أو عابرا، إلا أنه – ولعقود مضت – كان يتم ضمن إجراءات اعتيادية روتينية، بحيث تعتبر هذه المراسم تحصيل حاصل بعد تحديد نتيجة الانتخابات الرئاسية التي تجرى في شهر نوفمبر من العام السابق.

أما في هذا العام، فلم يكن هذا الحدث ليكون حدثا اعتياديا، ليس فقط بسبب تأثير جائحة كورونا، التي – وبلا شك كان لها تأثير كبير على نتيجة الانتخابات وعلى مراسم التنصيب – وإنما بسبب ما سبق هذه المناسبة من أحداث غير مسبوقة.

فمن ناحية، رفض الرئيس السابق، دونالد ترامب، الاعتراف بنتيجة الانتخابات الرئاسية، متهما العديد من الولايات بتزوير نتائجها لصالح منافسه، ورافعا عشرات القضايا في مختلف المحاكم الأمريكية لإبطال هذه النتائج. ومحاولا الضغط – بوسائل مختلفة – على بعض حكام الولايات، وممثليها، لـ “خلق” آلاف الأصوات لصالحه، كي يقلب نتيجة الانتخابات في هذه الولايات لصالحه، وبالتالي قلب نتيجة الانتخابات على المستوى الوطني.

إلا أنه، وبعد فشل جميع الوسائل القانونية – وغير القانونية –، ورد جميع القضايا المرفوعة أمام المحاكم، ورفض العديد من حكام وممثلي الولايات – ومنهم جمهوريون – الانصياع لرغباته المخالفة للقانون والدستور، فقد سارت الأمور باتجاه أكثر دراماتيكية.

ففي يوم السادس من يناير، وبينما كان الكونغرس يعقد جلسة للمصادقة على فوز جو بايدن بالانتخابات الرئاسية، دعا ترامب أنصاره المجتمعين – بدعوة منه – أمام البيت الأبيض للتوجه إلى مبنى الكابيتول، فيما حاول – من ناحية أخرى – الضغط على نائبه مايك بنس – والذي كان يترأس جلسة المصادقة على نتائج الانتخابات – ليقوم بعرقلة عملية التصديق على نتائج تصويت المجمع الانتخابي.

ومع رفض نائب الرئيس الخضوع لمثل هذا الطلب غير الدستوري، وبينما كان مجلسا الشيوخ والنواب يفرزان الأصوات للمصادقة على نتيجة الانتخابات، اقتحم آلاف من أنصار ترامب مبنى الكابيتول، وحطموا النوافذ والأبواب، في هجوم باغت القوات الأمنية المخصصة لحراسة مبنى الكابيتول، مزمجرين ومتوعدين ممثلي الشعب، الذين سارع بعضهم بمغادرة المبني، أو التحصن في مكاتبهم أو في ملاجئ مبنى الكابيتول. بينما أخذ المتمردون يسرحون ويمرحون، ويلتقطون الصور ومقاطع الفيديو أثناء سلبهم ونهبهم واستيلائهم على ما يمثل أهم رمز لإرادة الشعب الأمريكي، وأحد أبرز معالم الديموقراطية حول العالم.

كانت المشاهد صادمة، تابعها الملايين حول العالم، وشاهدوا الاشتباكات بين أفراد الحراسة والمتمردين، التي أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص من كلا الطرفين، كما شاهدوا قوات الحرس الوطني تفض المتمردين، وتعيد الاستقرار إلى مبنى الكابيتول بعد ساعات، ليتمكن أعضاء الكونجرس من استئناف جلستهم، والمصادقة على نتائج الانتخابات، في عملية استمرت إلى فجر اليوم التالي.

تتالت ردات الفعل محليا وعالميا، والتي تراوحت بين الاستنكار الخجول إلى تقديم الاستقالات من قبل عدد من أعضاء إدارة ترامب، احتجاجا على هذه الأحداث المشينة، كما تم تعليق حسابات ترامب على مواقع التواصل الاجتماعي – بشكل مؤقت ثم بشكل دائم – وتعالت الدعوات له بالاستقالة، ولنائبه للقيام بعزله من خلال التعديل الخامس والعشرين للدستور – وهو الأمر الذي رفض مايك بنس القيام به – وانتهاء بتوجيه مجلس النواب لائحة اتهام بحق الرئيس شبه المنتهية ولايته لغرض محاكمته وعزله في مجلس الشيوخ، ليكون أول رئيس أمريكي يواجه محاولة عزله لمرتين متتاليتين، وأول من قد تجري محاكمته في مجلس الشيوخ بعد انتهاء ولايته[1].

إن المشهد السريالي أعلاه، والذي يبدو وكأنه صورة “نيجاتيف” لما يجب أن يكون عليه الوضع في الظروف الطبيعية، حيث إن مشهد المتظاهرين يقتحمون مقرات الحكومة ومؤسسات الدولة يرتبط في مخيلة كثيرين منا بالثورات التي تسعى إلى إسقاط الأنظمة المستبدة، وإقامة الحرية والديموقراطية على أنقاضها، لا بانقلابيين – في صورة ثوار – يسعون لـ “الدعس” على مخرجات العملية الديموقراطية، والالتفاف على خيار الشعب الذي يفترض أنهم شريحة منه، ومكون من مكوناته.

كما أن الجنود المدججين بالأسلحة، إنما يرتبط في أذهاننا بالجيوش التي تنقلب على الأنظمة القائمة، وتحاول الالتفاف على العملية السياسية الديموقراطية، وفرض إرادتها بالقوة الجبرية. أما أن نرى القوات العسكرية تحمي الديموقراطية ومؤسساتها، وتحرس مراسم تنصيب الرئيس المنتخب، على خلاف إرادة ورغبة الرئيس القائم، فهذا أمر لم نعهد أن نرى مثيلا له إلا قليلا، هذا إن كنا قد رأينا مثيلا له أصلا فيما مرّ بنا من أحداث عصرنا وزماننا.

إنني – وإن لم أكن متخصصا في الشؤون السياسية – لكنني – كمراقب بشكل مستمر لهذه الأحداث – يمكنني القول – بلا مجازفة – أن هذه الأحداث – على خطورتها – إنما هي مجرد تعبير عن واقع أشد خطورة، وما هي إلا آثار لأسباب أشد عمقا، وأعمق غورا مما قد نتصور.

إن هذه الأحداث إنما تعبر عن انقسام اجتماعي حاد تعيشه الولايات المتحدة، ويمكنك أن تجد أصدائه في العديد من بلدان العالم الأخرى، انقسام لا تنحصر آثاره وتداعياته على المستوى السياسي، ولا يمكن اختزاله في نتائج عملية انتخابية، أو بعض تداعياتها.

نعم، رحل ساكن البيت الأبيض القديم، دونالد ترامب، وأصبح رئيسا سابقا للولايات المتحدة، لكن الإرث الذي تركه، سواء على المستوى المحلي والوطني – اجتماعيا وسياسيا وأخلاقيا وفكريا – أو على المستوى العالمي، لا يزال باقيا، ولا تزال له جذور راسخة ضمن شريحة واسعة من المجتمع الأمريكي، ولن يلبث – على ما أعتقد – أن يعود مجددا – وربما من خلال وجوه أخرى – ليستكمل ما بدأه ترامب ولم يستكمله في سنوات رئاسته الأربع.

نعم، رحل ترامب، ولكن “الترامبية” لا تزال باقية، ولربما تشهد السنوات القادمة صراعا عنيفا بين تيارين متناقضين داخل المجتمع والأمة الأمريكية، صراع قد تكون نتائجه أشد وخامة مما قد تسمح به مخيلتنا ضمن منظور المتوقع والممكن، على أننا يجب ألا ننسى أن الأحداث الدراماتيكية التي شهدناها منذ أمد قريب كانت ضمن نطاق غير الممكن في توقعاتنا، لكنها فرضت نفسها كأمر واقع، وأصبحت واقعا لا مناص من التعامل معه.

فإلى أين تتجه الولايات المتحدة؟ بل إلى أين يسير العالم في ظل هذا الصراع المحتدم؟ وأين موقعنا – كمسلمين – ضمن هذه المعادلة، وما هو دورنا وتأثيرنا فيها؟

أسئلة هامة نحتاج إلى الإجابة عليها. ولعلي أتطرق لبعضها في المقالة القادمة إن شاء الله.

الشيخ الدكتور هيثم زماعرة

[1] بالإمكان الاطلاع على التسلسل الزمني لهذه الأحداث على موقع الجزيرة نت، الرابط:

https://www.aljazeera.net/news/politics/2021/1/13/%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%86%D8%BA%D8%B1%D8%B3-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D9%87%D8%A7%D9%85-%D8%AA%D8%B3%D9%84%D8%B3%D9%84