مع الحملات المتكررة التي تهدف إلى النيل من المسجد الأقصى المبارك، كان لا بد من إعادة التأكيد على قدسية هذا المسجد، وصِلته العميقة بعقيدة المسلمين، في كونه مسجداً أولاً، ثم في كونه ارتبط بعدة أحداث هامة تركت أثرها في التاريخ الإسلامي ثانياً. وإن شئتم الحق فإن الحديث عن المسجد الأقصى ينبغي أن يكون حديثاً مُسلماً به غير متكلَف، وغير مرتبط بما يلقاه من حملات آثمة؛ إذ الواجب أن يكون محركنا الأساسي للحديث عن الأقصى هو الأقصى ذاته بما يحمله من رسائل ربانية ودلالات نورانية، ويتأكد هذا ويزداد أهمية حال التعرض له من أي كائن كان، لذلك فإني وإن كنت أكتب هذا المقال في لحظات عصيبة يمر بها المسجد الأقصى؛ فإني أكتب هذا كفعل لا كرد فعل، فلا ينبغي أن نتحدث عن الأقصى حال الألم فقط، بل إنما نستلهم منه شعلة الأمل في حياتنا، وبريق النور لأيامنا، في حِلنا وترحالنا، في الضراء والسراء.

الأقصى عقيدة في كونه القبلة الأولى التي توجه إليها رسول الله ﷺ ما يقارب سبعة عشر شهراً كما صح في الحديث عن البراء بن عازب رضي الله عنه قَالَ: “لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: “قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا‏” (البقرة: ١٤٤)،‏ فَوُجِّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ…” (صحيح البخاري). فالمسلم مع كل مرة يتوجه فيها إلى الكعبة يذكر أن الأقصى كان القبلة الأولى؛ فتراه يتوجه إلى الكعبة بجسده ولا يغيب الأقصى عن قلبه.

الأقصى عقيدة في كونه ثاني المساجد التي بُنيت على وجه هذه الأرض، كما في الحديث الذي سأل فيه أبو ذر رضي الله عنه رسول الله ﷺ قال: “قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ‏،‏ أي مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلُ قَالَ: ‏‏الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ‏، قُلْتُ ثُمَّ أَي؟ قَالَ: ‏‏ثُمَّ الْمَسْجِدُ الأَقْصَى، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: ‏‏أَرْبَعُونَ سنة‏‏” (صحيح البخاري). ولما كانت المساجد كلها لله٬ وأول مسجدين كانا الحرام والأقصى، فهما في الفضل أسبق، وفي الريادة أحق، ومن أقام لبيوت الله حقها وغفل عن أي منهما فلم يُقم لأي من بيوت الله حق، ومن فرق بينهما فقد خالف منهج الله الحق، وقد جمع بينهما في البناء، في أن الباني هو آدم عليه السلام أول الخلق، كما يذكر ذلك جمع من المؤرخين، وكذلك جمع بينهما في مطلع سورة الإسراء، فالمسلم كلما دخل مسجداً، ذكرهما، وإقامته لحق مسجده القريب منه إقامة لحقهما، وإصرار على رسالتهما، رسالة التوجه إلى الله وإخلاص العبودية له.

الأقصى عقيدة في كونه ثالث المساجد التي تُشد إليها الرحال، رِحال القلوب ورِحال الأجساد، كما في حديث النبي الكريم ﷺ: “لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى” (صحيح البخاري)، ولعل من المهم تذكر رحلة الإسراء والمعراج التي تشرف بها النبي الكريم بدعوة من الله الكريم، من بيته الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم من المسجد الأقصى إلى السماوات العُلى، ثم من السماوات العُلى إلى المسجد الأقصى، ثم من المسجد الأقصى إلى مكة عائداً… والركن الركين في هذه الرحلة هو المسجد الأقصى، إقراراً لفضله، وإحقاقاً لحق المسلمين فيه في رمزية اختيار النبي الكريم محمد ﷺ ليكون هو صاحب تلك الرحلة دون غيره من الأنبياء والعالمين. أضف إلى ذلك أن حال النبي الكريم قبل تلك الرحلة كان عسيراً عصيباً وقد فقد أعز قريبين عليه، وأكثر المناصرين له: زوجته الرؤوف خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وعمه أبو طالب الذي بقي على كفره، لكنه كان السند القوي لابن أخيه في وجه من يضمر له الشر… فقدهما في عام واحد، فتكالبت عليه المصائب من أعدائه، وتفطر قلبه لفقد أحبائه، ولما اشتدت عليه آلامه، كانت دعوة الله له ليتوجه إلى الأقصى ثم إلى السماء، ليُعلم أن الأقصى بلسم الجروح، ومبعث الأمل في النفوس، وبوابة النور نحو السلام، سبحانه جل في علاه، وفي هذا درس بليغ لكل من تفطر قلبه، وتكالبت عليه آلامه، في أن يشد رِحال جسده نحو الأقصى، فإن لم يستطع فرِحال قلبه، لعله ينال من ذلك السنا طيوفاً، ومن نور السلام فيوضاً.

بعد كل الذي ذُكر، يجب أن تبقى هذه الحقائق حاضرة لدى كل مسلم، مُسَلَّماً بها، متفقاً عليها، كالشمس في إشراقها، وكالبدر في إظهارها: الأقصى الشريف أول القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين الشريفين، مهوى القلوب، ومصعد الحبيب ﷺ.

الشيخ جعفر حوى