ما أن ينتهي شهر الله ذو الحجة، ويرحل حاملاً معه البركة التي احتوتها أيامه وساعاته، حتى يستقبلك العام الهجري الجديد بشهر الله محرم.
انتهى العام الهجري بأجمل ما ينتهي به عام، انتهى بطاعات وقُربات قدمها الحجاج المُلَبُّون في رحاب الله الطاهرة، وانتهى بتضحيات وأضاحي قدمها أبناء هذه الأمة في شتى بقاع الأرض، رغبة بما عند الله، واتباعاً لسنن نبي الله إبراهيم عليه السلام، ومن بعده محمد صلى الله عليه وسلم، انتهى ونحن نعلن في كل يوم من أيامه أننا مسلمون مستسلمون لله، مؤمنون به، مستمسكون بحبله المتين، وسنة نبيه الكريم، الذي من أجل أن تصل رسالة الله إلى إلينا، من أجل أن نكون عباداً لله نصلى ونصوم ونزكي ونحج.. هاجر من بلده التي أحب، تاركاً وراءه كل ذكرياته وأشجانه، متجهاً نحو الوجهة التي هداه الله إليها لتكون معقل الإسلام، ودار الهجرة والمستقر في آنٍ معاً.
وكما كان الرابط كبيراً بين ركن الحج العظيم الذي انتهى العام الهجري فيه وبين نبي الله إبراهيم عليه السلام، فإن الهجرة التي نستقبل ذكراها ترتبط ارتباطاً كبيراً بنبي الله إبراهيم عليه السلام أيضاً، أوليس هو المهاجر الأول؟ أوليس هو من قال: “إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ”؟ (العنكبوت: 26)، دعا قومه إلى توحيد الله، ونبذ الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، فأبوا واستكبروا، وطغوا وظلموا.. فكانت الهجرة مخرجاً وباباً للدعوة لا ينغلق، فكتب الله القبول لرسالة إبراهيم عليه السلام، وتستمر تلك الرسالة الخالدة، وما محمد صلى الله عليه وسلم إلا امتداد لها، ونحن أتباع لها.
هاجر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة، وهو يخاطبها حزِناً: “علمتُ أنك خير أرض الله وأحب الأرض إلى الله ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت” (مسند أحمد)، فالهجرة عنوان للتضحية، تماماً كما هو الحج، وكما هو شهر ذي الحجة، تضحية بما هو غال عليك، عزيز على قلبك، ألفته وما عدت تطيق البعاد عنه.
ولعل قصص الهجرة لا تغيب عنا، وهي كثيرة، وفيها النفع العظيم، لكن سأذكر حديثاً من حديث رسول الله، فيه معنى أشمل وأوسع للهجرة، ريما يغيب عن أذهان البعض منا، من خلاله نسعى لأن نكون مهاجرين بحق، نحظى بهذا الشرف، وننال هذه المرتبة، وهو الحديث الذي أورده الإمام البخاري في صحيحه، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه”.
الهجرة في الأصل هي الترك، وقُصد فيها ترك الوطن ومفارقة الأهل، وفي هذا الحديث تحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى مهم جداً للهجرة، فيه كمال الصلة، وكمال القرب، وكمال العطاء من الله، أن تهجر الذنوب والمعاصي والآثام، فتكون مهاجراً وأنت في وطنك ربما، وبين أهلك وأحبابك. ومن حوى في قلبه المعنيين، معنى ترك الوطن والأهل، ومعنى ترك المعاصي والآثام، فوالله لهو خير ما يمكن أن يتحصل عليه إنسان. وهل هاجر رسول الله من مكة إلا لأنها امتلأت فساداً وطغياناً وتعدياً على أوامر الله؟ هل ضحى بحبه لها ورضي بأن يكتوى قلبه شوقاً لذكرياتها إلا لأنه يعلم أن الله من بعد الترك يهَبُ الأخذ، ومن بعد الحرمان يهَبُ العطاء.. فرجع صلى الله عليه وسلم بعد طول غياب إلى مكة مزلزلاً أصنامها، مطهراً كل شبر من ثراها.. فكان ترك مكة لأجل أن يُعطى مكة مرة أخرى كما يحبها الله ويرضاها، وكان الفراق لأجل أن يكون الاجتماع على خير حال يحبها الله ويتمناها المرء ويرجوها. ففي ذكرى الهجرة سلوى وأُنسٌ ومواساة لكل من فارق الوطن والأهل والأحباب، وفيها وعد بالعودة كما عاد محمد عليه السلام والأصحاب، برؤوس مرفوعة وقلب ممتلئ بالأمن والأمان بلا خوف ولا فزع، “لا تحزن إن الله معنا”، هذا الدرس من الهجرة الذي لا يمكن أن نغفله، نعيده ونكرره، ونخلص النية لله وحده ونكبِرُه، حتى ننال من أوفر النصيب، وأطيب الرجاء، وأفضل العطاء.

By Sh. Jafar Hawa