أرسل له صديقه المحب على هاتفه رسالة طويلة عبر البرامج المجانية للهواتف الذكية، تحثه على العمل لخدمة قضية معينة أو أمر معين، وطفق يقصُّ عليه القصص التاريخية لأشخاص قضوْا ورحلوا عن هذه الدنيا، ويسرد أحاديث منسوبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لتدلل على صحة هذا الفعل أو ذاك، ولتكون حجة ودليلاً على كل من يقف أمامها معترضاً مخالفتها لكثير من الثوابت في دين الله من آيات وأحاديث أخرى لرسول الله. لم يلبث صاحبنا أن قرأ جزءاً من هذه الرسالة حتى توقف مبهوتاً لِما يقرأ! ما هذا الكلام الركيك الرديء؟! يسأل نفسه وهو غير مصدق أن هذا الكلام يُنسب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، من فوره أرسل يسأل عن صحة هذه الأحاديث ويبحث في كتب الحديث الصحيح التي أصبحت في متناول الجميع، ليكتشف أن هذه الأحاديث ليست ضعيفة فحسب، بل هي مكذوبة موضوعة. فأرسل لصاحبه يخبره أن هذه الرسالة لا يجوز تداولها وإرسالها، لأن فيها افتراء على رسول الله وعلى السنة النبوية الشريفة، لكنه لم يلق جواباً منه، فكرر إرسال التعقيب منه مرة تلو مرة، وبلا جواب.. ليكتشف مؤخراً أن صديقه هذا قد أعد قوائم لإرسال الفوائد والعبر والقصص والحكم لكل أصدقائه، ويرسلها كلها دفعة واحدة، لتصل للمئات منهم خلال دقائق! ولا يلتفت بعد ذلك للردود التي تأتيه، فهو منشغل بالدعوة إلى الله، وإسداء النصح لإخوانه وأحبابه، وما يرسله لا شك فيه ولا غبار عليه، لذلك لم يلق بالاً مرة لردٍ أتاه، أو لتعقيب أُرسل إليه! ويا للحسرة لو أنه تريث قليلاً، وتثبت مما يرسله ويتناقله الناس من بعده!

هذه المشكلة متكررة جداً، ونمر بمواقف مثل هذا يومياً، والأمر جد خطير، ليس بالشيء الهين إطلاقاً، لا بد لكل واحد منا أن يسائل نفسه قبل إرسال أي شيء لأي كان، هل أنا موافق على ما جاء فيه؟ هل يمثلني ويمثل ديني وعقيدتي؟ أم أن فيه استهزاءً بآيات الله وشعائره أو ربما خلقه وعباده؟ هل ما أرسله من معلومات صحيح له سنده وعليه آثاره التي تدل عليه أم هو مكذوب موضوع؟ سواء كان حديثاً لرسول الله أو كان قصة لأحد السلف السابقين.. وما أكثر ما يُكذَبُ عليهم وتشوه صورتهم! هل أنا قادر على تحمل تبعات هذا الذي أرسله للناس؟ ربما أكون سبباً في إرسال إساءة يتناقلها الناس من بعدي، ويكون علي وزر كل أولئك الذين تداولوها بسببي، أو ربما يتعدى الأمر ذلك ويدخل أحدنا ضمن التحذير النبوي، والله نسأله السلامة لنا جميعاً، في الحديث الذي تواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم لفظاً لا يختلف عليه اثنان، قوله عليه السلام: “من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار”، وكفى بهذا الحديث رادعاً لنا عن نشر أي شيء منسوب لرسول الله قبل التأكد والدراسة، وإلا فعدم النشر أولى وأسلم.

وقبل ذلك كله، لا بد أن نأخذ بالاعتبار ذلك المُعِقِّبَ الرباني، الملازم لكل إنسان، والذي يكون أقرب إليه من نفسه، يتابع خطواته وسكناته، ويحصي عليه أنفاسه وكلماته: “مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ” (ق: 18)، فهو كالحارس عليه، كالرقيب المنتبه الذي لا تأخذه غفلة أو غفوة، ومعلوم أن الإنسان إذا استحضر مراقبة أحد من الناس تجده يجود عمله ويحسنه على أكمل ما يكون، ولكنه يغفل عن الملائكة التي تحوطه من بين يديه ومن خلفه، وكأن مراقبة الله هانت عليه وعزت عليه مراقبة الناس، ومن راقب الله حقاً في كل تصرفاته وشؤونه، استقامت له حياته، واستقامت له نفسه، فلا ينبس ببنت شفة إلا وهو يعلم مردها وعاقبتها، ويريد الخير والأجر والنفع منها، “إِنَّ العبد ليتكلّم بالكلمة مِنْ رضوان الله لا يُلْقِي لها بالاً، يرفعه الله بها درجات” (صحيح البخاري)، فهي كلمة طيبة لا يعلم المرء كم تحمل من الخير والبركة وراءها، تكون سبباً في رفعته عند الله، ولكن في المقابل أيضاً: “وإِنَّ العبد ليتكلّم بالكلمة من سخط الله لا يُلْقِي لها بالاً، يهوي بها في جهنم” (صحيح البخاري)، يقولها المرء غير مبال، يتناقلها الناس من بعده ويتحمل هو وِزرها وأوزار الذين أخذوها عنه، وكأن المرء قادر على أن يحمل أوزاره ليحمل أوزار غيره، اللهم لطفك ورحمتك.

راقب نفسك فيما تقول وفيما تتكلم، وأمسك عليك لسانك، لا يوردك المهالك، واحذر الكذب على رسول الله وعلى عباده الصالحين، وإياك والاستهزاء بخلق الله وأطباعهم ومشاربهم وأماكن نشأتهم وجنسياتهم، فلا ينبغي هذا لصاحب القلب المؤمن، ولا تجعل الله أهون الناظرين إليك، وراقب نفسك وروِّضها تسلم من عاقبة كثرة الكلام في الدنيا والآخرة، فقد قيل فيما ينسب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه”.

By Sh Jafar Hawa