‎ أورد الإمام أبو داود في سننه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ عام الفتح جاءه العباس بن عبد المطلب بأبي سفیان بن حرب، فأسلم بمر الظهران، فقال له العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فلو جعلت له شيئا، قال: “نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن”.

‎من خلال هذه القصة نستلهم عدداً من الدروس والأساليب الدعوية التي ينبغي على كل داعية أن يحيط بها وأن يتمثلها في طريق دعوته، مما يترك أثراً طيباً في قلوب من يدعوهم إلى سبيل الله، وهذا دأبه ﷺ في إكرام من يحضر إليه حتى وإن خالفوه في الرأي والديانة، مصداق حديثه الصحيح ﷺ الذي أخرجه ابن ماجة ورواه عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما: “إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه”؛ فإكرامه لأبي سفيان مثلاً ليس لشخصه فقط، بل لكل من وراءه من أبناء مكة، وفي هذا لفتة منه ﷺ لتهدئة نفوسهم، وتأليفها لقبول الدعوة لاحقاً.

 

‎وهذا المعنى الذي تمثل في خلقه ﷺ – وهو لا شك إمام الدعاة – أكد عليه القرآن الكريم مراراً وتكراراً في العديد من الآيات، لكنني سأكتفي في هذا المقال بالحديث حول آية واحدة تعطينا ومضة حول ما ينبغي على الداعية أن يحيط به لنجاح دعوته: قوله تعالى في خواتيم سورة النحل المباركة: ” ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ” (النحل: ١٢٥)

 

‎نلحظ من مطلع الآية أن الأمر الرباني في الفعل “ادع” يخاطب النبي ﷺ بالدرجة الأولى ويخاطب الفرد المسلم من أتباعه بالدرجة الثانية، وهذا يفيد أن الدعوة إلى الله حالة فردية في أول المطاف، تتوسع لتشمل كل أفراد المجتمع المسلم لاحقاً فتغدو حالة جماعية.

 

وفي قوله تعالى: “سبيل ربك”، يبين لنا القرآن أن وجهة الدعوة هي عبادة الله وحده لا شريك له ولا معبود سواه؛ فوظيفة الداعية أن يدعو إلى الله لا إلى الشيطان، إلى سبيل الحق لا إلى الضلال، إلى ما فيه خير الناس لا إلى ما فيه الضرر لهم، إلى عباد الرحمن لا إلى أرباب الطغيان.

 

وفي قوله تعالى: “بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن”، حرف الباء هنا للاستعانة، وهنا نتبين الوسائل الدعوية الأكثر تأثيراً وتميزاً التي ينبغي على الداعية أن يسير وفقها، لتحصيل القبول في دعوته:

 

 

  • الحكمة: والمقصود بها العلم والفهم، وقد فهم البعض أنها القرآن والبعض الآخر أنها سنة الرسول ﷺ، والبعض جمع بينهما، والحق أن الحكمة كل كلام يدل في حقيقته على الله الحكيم، ويعرف الناس بالله، بمقتضى العلم والمعرفة.

 

  • الموعظة الحسنة: والمقصود بها الأسلوب المتبع في إيصال تلك الحكمة التي سبق الحديث عنها في الآية، في اختيار أفضل الكلام، وتخير أحسن الأوقات، تماماً كحديث الوالد لولده، مليء بالتحنن والتلطف والتودد، كما نشعر بهذا حقاً كلما قرأنا قصة لقمان وابنه في سورة لقمان الحكيم، ولا عجب أن الله وصفه بالحكمة أيضاً؛ فقد جمع بينهما عليه السلام: ” وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ” (لقمان: ١٣)؛ فكلمة يا بني تعطي هذا المعني الدافئ في الخطاب، يشبهها قول الأنبياء والدعاة لأقوامهم عند دعوتهم، كقول الذي آمن من قوم فرعون: “يا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد”، أو كقول إبراهيم لأبيه: “يا أبت لا تعبد الشيطان”. كل هذه المفردات: بني، قومي، أبتي… تشير إلى العلاقة الخاصة والقريبة بين الدعاة وبين من يدعونهم، والتي تبعث الطمأنينة والراحة في قلوب السامعين.

 

  • المجادلة بالتي هي أحسن: وهذه الوسيلة تستعمل أكثر ما تستعمل مع المخالفين الذين قد يصل خلافهم الى حدود عليا من الطغيان والإضرار بالداعية ذاته، كما في قصة موسى وهارون عليهما السلام، عندما حاول فرعون قتله، مما اضطره للهروب خارج المدينة، ثم أرسله الله لاحقاً بصحبة أخيه هارون عليهما السلام إلى فرعون وقد تجاوز الحد في كفره وطغيانه حتى قال: “أنا ربكم الأعلى” (النازعات: ٢٤)، والملفت أنه مع طغيانه، إلا أن خطاب الله لموسى وهارون عليهما السلام كان غاية في السماحة والجلال، قائلاً لهما: “اذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى” (طه: ٤٣، ٤٤)، ومن جميل تفسير المفسرين ما ذكره الإمام القرطبي، قال: ما القائل منا (أي ما الداعية منا) بأفضل من موسى وهارون في مقام النبوة، وما العاصي (الفئة المستهدفة) بأخبث من فرعون في مقام ادعاء الربويية، ومع ذلك كان اللين في الخطاب مطلباً ربانياً للوصول إلى التذكرة والخشية، لتصويب الأخطاء والتزام درب الصواب.

 

وفي قوله سبحانه في آخر الآية: “إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين”، رسالة للدعاة أن الداعية مبلغ للرسالة فقط، وليس وصياً على المدعوين، كما قال الله لنبيه ﷺ: “إن عليك إلا البلاغ” (الشورى: ٤٨)، “وما جعلناك عليهم حفيظاً وما أنت عليهم بوكيل” (الأنعام: ١٠٧)، إنما نحن في هذه الدنيا دعاة ولسنا قضاة، دورنا أن نأمر بالمعروف وأن ننهى عن المنكر والله يتولى شؤون الحساب، والله يتولى تقدير الهداية، ونحن لسنا إلا أسباباً، لقوله سبحانه: “إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين” (القصص: ٥٦).

الشيخ جعفر حوى