يحل علينا عيد الأضحى المبارك في ظروف لا تختلف كثيرا عن ظروف عيد الفطر السابق، فلا زالت جائحة وباء الكورونا تلقي بظلالها على مختلف مناحي الحياة، بما فيها الدينية والاجتماعية. لقد اعتادت جالياتنا المسلمة في الغرب على الاحتفاء بالعيد بما لا يوازيه أو يقاربه احتفاؤها بأية مناسبة دينية أخرى، فما أن يحل يوم العيد حتى ترى الآلاف من كل مجتمع مسلم يتوافدون لشهود صلاة العيد والاحتفال به، بما لا يتكرر في أي منشط ديني أو اجتماعي آخر على مدار العام، بحيث أصبح من الممكن اعتبار أن هذه المناسبة أصبحت تشكل لدى نسبة كبيرة من المسلمين في الغرب جزءا من البنية الثقافية، سواء على صعيد الفرد أو المجتمع، كما أنها قد تكون الصلة الأخيرة التي لا زالت تربط بعض المسلمين بالدين الإسلامي والثقافية الشرقية، ومن هنا تأتي هذه المقالة لتلقي المزيد من الضوء على هذه المناسبة، كاشفة عن جوانب من أهميتها في بناء شخصية المسلم في الغرب، ومدى إمكانية استثمارها وتطويرها وتوسيع نطاقها، لتحقق أكبر قدر من أهدافها ومقاصدها التي شرعت من أجلها.

سبق وأن وضحت في مقالتي السابقة بعنوان (المسلمون في الغرب … بين العزلة والذوبان) أن المسلم في العالم الغربي تتنازعه – وخاصة الأجيال الناشئة – قوتان تتجاذبان التأثير في بناء شخصيته وهويته الفكرية والثقافية: فقوة تجذبه تجاه المجتمع والثقافة الأمريكيين، ونمط الحياة الغربية، يترسخ تأثيرها من خلال المدرسة، والعمل، والإعلام، ومختلف مناشط الحياة ضمن المجتمع الغربي عموما، وقوة تجذبه نحو الجذور والأصول الثقافية، من خلال المدارس والمراكز الإسلامية، وما تتبناه الأسر والعائلات من قيم عادات وتقاليد أحيانا.

وإنه من المهم ألا تتوجه الجهود نحو مصادمة كل ثقافة للأخرى، وإنما نحو اكتساب الفرد للجوانب الإيجابية الموجودة في كلتا الثقافتين، والعمل على تصحيح المفاهيم، ومعالجة القضايا التي لا تتناسب مع شخصية الإنسان المسلم في الغرب.

هنا تظهر أهمية المناسبات الدينية الجامعة، وخاصة الأعياد، في إيجاد رابط للمسلم الأمريكي يربطه بجذوره الدينية وأصوله الثقافية، بحيث يشكل هذا الرابط فرصة للتقدم على مستوى التوجيه الفكري السليم. إن الأسرة المسلمة التي تنشغل بتزيين بيوتها في رمضان، وتعلق الأهلة والفوانيس، وتشتري ملابس العيد وهداياه، وتصطحب أبنائها إلى صلاة العيد الجامعة، تفعل أكثر من مجرد احتفال بهذه المناسبة، إنها تغرس في نفوس هؤلاء الناشئة قيمة ثقافية تربطهم بدينهم الإسلامي وثقافتهم الأصلية، قيمة قد تستمر معهم طوال حياتهم، إن هذه الممارسات البسيطة أبلغ في تحقيق هذه الغاية من الكثير من الخطب والمواعظ والدروس والمحاضرات.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى: فإن اجتماع يوم العيد قد يكون الفرصة الوحيدة للبعض كي يشارك في عبادة من العبادات الإسلامية، ويستمع إلى صوت الدين، الذي كثيرا ما يتم تغييبه في حياة الكثيرين من أبناء المجتمع المسلم في الغرب. لذلك كان حتما على القائمين على هذه المناسبة، وخاصة الأئمة ورجال الدين، أن يحسنوا انتقاء ما يقدموه لمجتمعهم المسلم في مثل هذه الفرصة النادرة، بحيث يتم التركيز على أهم القضايا التي تشغل المسلمين في الغرب، وتمس بشكل مباشر حياتهم ومجتمعهم.

ومن ناحية ثالثة: فإن مثل هذه الاجتماعات الإسلامية العامة، تكشف عن مدى نمو وتزايد المجتمعات المسلمة في الغرب، ومدى أهمية استثمار هذه القوة العددية المتزايدة باطراد، لتحقيق مكاسب على المستوى السياسي والاجتماعي ترجع بالنفع على المجتمع المسلم، وعلى المجتمع الأمريكي عموما، وهنا تكمن أهمية استثمار المشتغلين بالسياسية لمثل هذه الاجتماعات الكبرى.

على أن تطوير استثمار مثل هذه المناسبات ينبغي أن يتم بالتعاون والتشاور ما بين الجهات الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والإدارية المختلفة، وألا يقتصر على جهود فردية، ومبادرات ارتجالية، قد لا تحقق الكثير من التطلعات المرتجاة من مثل هذه الاجتماعات.

إن الإسلام عندما شرع مثل هذه المناسبات الجامعة، قد جعل من أهم مقاصدها أن يلتقي المجتمع المسلم بمختلف مكوناته ومستوياته في صعيد واحد، بما يجدد فيه روح التآلف والتكاتف، ويوفر بيئة مناسبة لتثقيف أفراده وتوجيههم نحو ما يحقق المصالح العامة للجميع، ولكن ذلك يتطلب بذل المزيد من الجهود في الإعداد والتقديم والاستثمار، وما لم يتحقق ذلك، فستبقى مثل هذه الاجتماعات – على أهميتها وقيمتها الكبرى – مجرد شعائر دينية أقرب إلى الطقوس المجردة منها إلى العبادة الحقيقية التي تنعكس آثارها على جميع مناحي حياة الفرد والأسرة والمجتمع.

بقي أن أقول: إن مناسبات الأعياد الإسلامية ينبغي ألا تكون هي المناسبات الوحيدة التي يتم استغلالها في التوعية والتثقيف والتوجيه، خاصة مع الفجوة الزمنية الكبيرة ما بين عيد الأضحى وعيد الفطر، والتي تقارب التسعة شهور، مما يقودنا إلى أهمية استثمار مناسبات أخرى، تكاد تكون مهملة أو شبه مهملة ضمن مجتمعاتنا المسلمة، وهذا ما سأتطرق إليه في مقالتي القادمة بعون الله.

الشيخ الدكتور هيثم زماعرة