وداعاً لعام مضى، ومرحباً بعام يأتي، إنما نودع بعضاً منا، ونحن في كل يوم نفعل. نستودع الله صالح أعمال أديناها، ونرجوه أن يقبل، ونسأل الله مغفرة لأخطاء اقترفناها، وقد تعهد بإجابة من يسأل. كما عشنا أمس نعيش اليوم، وكما مضت سنة، سترحل الأخرى، ولا يبقى منها إلا الأجر وأطياف ذكرى، فعلام الخوف وعلام الوجل؟ علام اليأس وانقطاع الأمل؟ من كان الله ربه، ومحمد نبيه، والقرآن كتابه، كيف لا يتأمل؟

نستقبل العام الجديد بأمل كأمل محمد ‎ﷺ، والعدو يلاحقه، وما بقي بيت في مكة إلا وعلم أن قريشاً حياً أو ميتاً تطلبه، فيخرج مهاجراً وصديق عمره الصديق يرافقه، ويتخذ النبي ‎ﷺ طريقاً آخرَ غير الذي يعهده، تورية وتخفياً عن عدو يتتبعه، ليصل به المطاف إلى غار موحشٍ من يقصِدُه! فيدخل الصديق قبل النبي ‎ﷺ إلى الغار يتفحصه، ويتواريان عن الأنظار فيه إلى حين الله يقدره، ويسمعان طرق نعال العدو على باب الغار توشك تجاوزه، فيهمس الحبيب ‎ﷺ في أذن الصديق: “لا تحزن إن الله معنا”([1])، ومن كان الله معه، فماذا يُفزعه! ومن علق بالله أمله، فمن ذا يُحزنه!

نستقبل العام الجديد بأمل كأمل موسى عليه صلاة الله وسلامه، وقد بلغ ظلم فرعون له ولقومه مبلغه، وقامت الحجة على الكافر المأفون ومن تِبِعه، ولكنه علا طاغياً بكِبر، ونادى في الناس: أليس لي ملك مصر؟ وتجرأ على ربه الأعلى، فادعى ربوبية وهو الأدنى، وفرّق الناس شيعاً مستضعفين، وأرسل جيوشه خلف موسى مستعجلين، فسرى الرعب في قلوب المؤمنين، وقالوا يا موسى إنا لمدركون، “قال كلا إن معيَ ربي سيهدين”([2])، فشُق له البحر فكانوا هم الناجين، وأغرق الله فرعون ومن معه أجمعين، وغدت قصة تُتلى فصولها بين العالمين، فيها العزاء لكل مظلوم حزين، أن مهما علا الظالمون، فذُلهم حتماً له حين.

نستقبل العام الجديد بأملٍ كأملِ يعقوبَ عليه السلام، ذلك الأبِ المكلوم، الذي فُرق عن قطعةِ فؤاده، وأحبِ أولاده، يوسفَ عليه السلام، وما الجمال إلا بعضه، وما البر إلا بره، وما الألم إلا أن من فرط به هم إخوانه! ليلحق به من بعده أخوه، فيكون أنيساً ليوسف، ومزيدَ وحشة لأبيه، تضرم شوقه وما أوقف دمعه، ذهب بصره وما فقد أمله، فقال لبنيه: “عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً”([3])، “اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله”([4])، فتأتي البشرى، وتبصر العينان من جديد، ويلتئم الجرح، ويلتقي الوالد بالوليد، وخروا له سجداً، وهذا بيت القصيد.

نستقبل العام الجديد بأمل كأمل هاجر عليها السلام، والرضيع اسماعيل ما يزال يتقافز في حجرها، يرحل عنها زوجها إبراهيم عليه السلام، ويتركهما في أرض فناء، لا زرع ولا ماء، ولا أنيس ولا سبب بقاء، ويمضي من غير التفاتة، فتلحق به وهي ملتاعة: أين تتركنا لا مأوى ولا جماعة؟ فيصمت والصمت إفادة، فاستدركت وتداركت، ونفحةُ الإيمان فيها أثمرت، هاجر ومن مثل هاجر إذ أبصرت، تسأل زوجها الراحل بتجلد وقد أبهرت: آلله أمرك بهذا؟ فيقول نعم، فيُبرِق الأمل من عينيها، ويتهدج يقينها في صوتها: “إذن لا يضيعنا”([5]).

الأمل هو ما نريد، حتى ندخل عامنا الجديد، من غير تطير ولا تشاؤم، بل بصالح التفاؤل، وهذه سنته ‎ﷺ: “لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الصَّالِحُ، الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ”([6]). فقولوا: اللهم اغفر لنا ما مضى، ووفقنا فيما يأتي للرضى.

الشيخ جعفر حوى

[1] سورة التوبة: ٤٠

[2] سورة الشعراء: ٦٢

[3] سورة يوسف: ٨٣

[4] سورة يوسف: ٨٧

[5] صحيح البخاري

[6] صحيح البخاري