تحدثنا في مقال الشهر الماضي عن التربية الفكرية المنشودة لأبنائنا وبناتنا، والتي تهدف إلى غرس قيم الأمة لدى عقول أبنائنا وبناتنا، حتى يخرجوا من أنانيتهم كأفراد، ويؤمنوا الإيمان التمام بأنهم محتاجون للأمة قوة وهيبة ومنعة، والأمة بحاجة لهم عطاء وحضارة ونهضة.

واليوم مقالي إليكم حول النوع الرابع من أنواع التربية، وهو التربية الاجتماعية، التي تشكل عنصراً ركيناً في التربية، لا يمكن الاستغناء عنه بأي حال من الأحوال، وعندما نقول اجتماعية فهذا يعني مجتمع، والمجتمع يعني علاقات، والعلاقات في أيامنا هذه لا تعدو كونها علاقات واقعية، وأخرى افتراضية، ولكل منها تفاصيلها التي تندرج تحتها.

 

  • العلاقات الواقعية: وهي التي تشكل الدوائر المحيطة بأبنائنا وبناتنا في حياتهم ويلمسونها عياناً، والتي ينبغي ضبطها بما يوافق الشرع الحنيف بضابط القرآن والسنة، والتي سنفصلها في هذا المقال.
  • العلاقات الافتراضية: وهي التي تنشأ عبر المواقع الالكترونية المختلفة، والتي تأخذ حيزاً كبيراً من تفكير أبنائنا وبناتنا، قد تتطور أحياناً لتكون علاقات واقعية، لكنها في كثير من الأحيان تبقى افتراضية غير حقيقية، والمقلق كثيراً، أنها على الرغم من كونها افتراضية، إلا أنها تبني شخصياتهم وأفكارهم وتصرفاتهم في الواقع العملي، ولا يخفى كم يُسوَّق لأفكار هدامة من خلال هذه الوسائل، وكم تعرض أبناؤنا وبناتنا لأخطار وصلت ببعضهم لحد خسارة حياتهم بسبب سوء استخدام هذه الوسائل، ولأجل هذا وغيره، سنرجئ الحديث عن وسائل التواصل الاجتماعي والعلاقات الافتراضية للمقال القادم بإذن الله.

 

أما دوائر العلاقات الواقعية فهي ست دوائر، كل منها تشكل علاقة معينة:

 

أولاً: العلاقة بالوالدين:

  • ربوا أبناءكم على أن يبروكم ويحفظوا حقكم، عملاً بقول الله: “وبالوالدين إحساناً” (النساء: ٣٦)، علموهم أدب خطابكم كآباء وأمهات: “ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً” (الإسراء: ٢٣)، علموهم إظهار الود والاحترام لكما: “واخفض لهما جناح الذل من الرحمة” (الإسراء: ٢٤)، وأن الأم أحق الناس بحسن الصحبة والرعاية والوفاء، ثم يليها الأب مباشرة، لقول الرسول الكريم ﷺ لذلك الرجل السائل من أحق الناس بحسن الصحبة: ‏”‏أُمُّكَ‏”‏‏، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: “‏أُمُّكَ”‏، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: “‏أُمُّكَ‏”‏‏، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ‏”‏ثُمَّ أَبُوكَ‏” (صحيح البخاري). علموهم أن باب الخير مع الناس مفتاحه الوالدان؛ فمن قصر في حق والديه لا يرتجى منه خير مع غيرهما. علموهم أن البر ليس يوماً في السنة، وليس مناسبة تشترى لأجلها الهدايا فقط، البر حال دائمة متواصلة تبدأ مع مقدم الطفل لهذه الحياة، ولا تنتهي بموت أحد الوالدين، بل يستمر البر في حق الأبوين حتى بعد وفاتهما.
  • على الأب أن يقدِّر الأم ويحسن معاملتها، حتى تكبر في عيون أبنائها، وعلى الأم أن تبادله ذلك، لو اعتدى كل منهما على الآخر، وتطاول بعضهما على بعض… سيفعل الأبناء مثلهما تماماً، فلو كان الأب معنفاً لزوجته بالكلام أو غيره، ستجد الأبناء يفعلون كذلك مع أمهم، وإذا أظهرت الزوجة قلة الاحترام للأب ستجد صورة الأب لدى الأبناء مهزوزة مضطربة.
  • قد يحصل الطلاق بين الأب والأم، وبينهما أبناء، هم ثمرة هذا الزواج، وليسوا ملكاً لواحد من الأبوين دون الآخر، ولا يجوز شرعاً أن يستأثر أحدهما بالأولاد دون سبب شرعي أو قانوني، ولا يجوز اتخاذهم وسيلة للانتقام من بعضهما البعض، بل على العكس، أن يسعى كل منهما في سعادة وصلاح أبنائهما، لا يكونا سبباً في شقائهم.

 

ثانياً: العلاقة بالإخوة والأخوات:

  • من المهم أن يتربى الولد أن أخاه الكبير بمقام والده، والأخت الكبيرة بمقام والدته، إن كانا على قدر من الصلاح والمسؤولية بطبيعة الحال، يتربى الولد أن يسمع لهما وأن يأخذ بنصائحهما… أما إن كانا على غير سبيل الهدى والصلاح، فيُحَذَّر الولد من السير خلفهما على طريق الإثم.
  • من المهم أن يتربى الولد أن يحفظ حقوق إخوانه وأخواته، ولا يتحين النظر إلى عوراتهم، ولا يخرق خصوصياتهم، خصوصاً فيما يتعلق بالشؤون الخاصة بالفتيات، يتربى الولد الذكر أن يكون أميناً على أخواته، مسؤولاً في تصرفاته، وكذلك تتربى البنت أن ترتدي اللباس الساتر أمام إخوتها الذكور، فلا يجوز لها أن ترتدي الثوب القصير فوق الركبة، ولا أن ترتدي الضيق المبرز لمفاتنها، لا أمام إخوتها ولا أبيها.

 

ثالثاً: العلاقة بالأقارب المحارم:

وهذه يتعلمها الأبناء من خلال آبائهم، فمن المهم جداً أن يصل الأبناء أرحامهم ليتعلم الأبناء صلة الرحم، مع الأجداد والجدات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وما يلحق بهم من المحارم، ولا بد أن نلفت الانتباه إلى أنه لو وُجد في هذه الدائرة من الأقارب صاحب سوء أو صاحبة سوء، أن يُحذر الأبناء والبنات من أفعالهما، مع المحاولة الجادة في عزل ذلك التأثير السيء عن الأبناء، من خلال التوعية والإرشاد، والمراقبة الحثيثة، والمحارم هم من يحرم الزواج بهم من الرجال، ومن يحرم الزواج بهن من النساء، وهذا ما نصت عليه الآية الكريمة في سورة النساء: “حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا، وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۖ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ” (النساء: ٢٣-٢٤).

 

رابعاً: العلاقة بالأقارب غير المحارم:

وهذه الدائرة التي وللأسف تقع فيها الكثير من المخالفات الشرعية؛ فنجد مثلاً أن البعض يلغي بعض الضوابط الشرعية في هذا الباب، كالمصافحة بين غير المحارم، بل قد يصل الحال إلى المعانقة أحياناً، بحجة أنهم أقارب وأبناء عمومة إلى غير ذلك من التفسيرات التي لا أساس لها من الإباحة… وما يحدث أحياناً من انفتاح في علاقة الفتيات مع أزواج أخواتهن، والعكس، إلى غير من الأمثلة الكثيرة. هذه العلاقات ينظمها الشرع الحنيف، ودورنا نحن في أن نحافظ على ذلك ونطبقه بالسمع والطاعة، في ألا ندع للشيطان سبيلاً إلى قلوب أبنائنا وبناتنا. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم ما يضبط هذا في سورة النور، في ذكر الأصناف التي يُسمح للمرأة أن تُظهر زينتها أمامهم، وما سوى ذلك يُعد ممنوعاً، وكذلك الخطاب ذاته وجهه الله تعالى للرجال، بغض البصر وعدم النظر إلى غير الأصناف المسموح لهم بالنظر إليها: “قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” (النور:٣٠-٣١).

 

خامساً: العلاقة بالأصدقاء:

أصدقاء الحي، والمسجد، والمدرسة، والعمل. ولعل أول الدوائر وهي دائرة الوالدين وآخر الدوائر دائرة الأصدقاء هما الأكثر تأثيراً على أبنائنا، بل أحياناً يتعدى تأثير الأصدقاء تأثير الأبوين، لذلك من المهم أن نراعي عدة أمور إذا ما تعلق الأمر بأصدقاء أبنائنا وبناتنا:

  • اختر لأبنائك البيئة المناسبة التي يكبروا بها، سواء من حي أو مسجد أو مدرسة، هذا يقلل من احتمالية الالتفاف على أصدقاء السوء غالباً.
  • كن أنت الصديق الأول والأوثق لأبنائك، وكن على تواصل دائم معهم، وأشعرهم بأهمية معرفتك بأصدقائهم وعوائل أصدقائهم، حتى لو وجدت من خلل تحاول تداركه مبكراً.
  • راقب تصرفات أبنائك، وفي حال وجدت أمراً غير مقبول، تتبع مصدره، إن كان أمراً فادحاً بسبب صداقة ما، يجب أن تقطع هذه الصداقة فوراً.
  • لا تأمن صداقاتهم وكن على حذر دائم، بمعنى أن صداقة المسجد ليست دائماً معصومة عن الخطأ، ولا صداقة الجيران دائماً على صواب، لا بد من المتابعة الدائمة، والنصيحة لا بد أن تكون حاضرة.
  • لا تجعلهم يبالغون في علاقاتهم مع أصدقائهم؛ فمثلاً الخروج لساعات طويلة دون رقيب أمر خطير. النوم عند الأصدقاء بالليالي مع وجود أفراد آخرين من عائلاتهم، وقد يكونون من الجنس الآخر كذلك أمر خطير. الانغماس في العلاقة مع الأصدقاء فوق الحد المألوف، قد يكون مؤشراً خطيراً في انحراف العلاقة عن مسارها الصحيح، مما يحتم على الوالدين المراقبة الحثيثة، واتخاذ الإجراءات الحازمة لتفادي استمراء الخطأ واستمراره.
  • انعزال الأبناء عن تكوين الصداقات مؤشر خطير، وخطير جداً أحياناً، لذلك لا بد من المراقبة، ومتابعة ذلك بوعي شديد، واهتمام كبير؛ فقد يتعرض الأبناء للتنمر من فرد من العائلة، أو من المدرسة، مما يوقعهم ضحية لبعض الانعكاسات الضارة على صحتهم النفسية، فيكونون ضحاياً لأمراض كالاكتئاب، والانطواء، وضعف النمو العقلي، والكسل والخمول، وقد تتطور بعض الحالات لتصل بأصحابها إلى قتل أنفسهم هرباً من الواقع المرير الذي يعيشونه دونما دعم من آبائهم ومن هم حولهم!.

الشيخ جعفر حوى

سادساً: العلاقة مع بقية عموم الناس:

والقاعدة العامة في هذا قوله تعالى: “وقولوا للناس حسناً” (البقرة: ٨٣)، أما من اعتدى منهم وأساء، فالشرع أباح رد الإساءة بالوسائل المشروعة، وكل القوانين تكفل للمرء أخذ حقوقه بما لا اعتداء فيه ولا تجاوز، ومع ذلك فالصبر والمسامحة عند الله أجزل عطاء وأحب صنيعاً: “ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور” (الشورى: ٤٢).

 

هذا ولعلنا في المقال القادم إن شاء الله نجيب على أسئلة هي الأكثر تناقلاً ووروداً على ألسنة المربين، فيما يتعلق بوسائل التواصل الاجتماعية، واستخدام أبنائنا لها، لعل الله أن يهديهم وأن يهدي بهم، وأن ينفعهم وأن ينفع بهم، والله ولي التوفيق.