كنا قد بدأنا الكتابة قبل ستة أشهر في سلسة على خطى تربية ناجحة، وتحدثنا أولاً عن صفات المربي، ثم تحدثنا في خمسة أنواع من أنواع التربية التي من الواجب علينا تنشأة أبنائنا من خلالها، ليكونوا قوماً صالحين، ونقوم بواجبنا تجاههم نحن الآباء والأمهات.

واليوم سنختم هذه السلسلة في الحديث حول التربية الجسدية، بأبعادها المختلفة؛ فبناء الجسد مهم كما هو مهم بناء الروح، لحديثه ‎ﷺ الذي أخرجه الإمام الترمذي: “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل”، وذكر من ضمن ما يُسأل عنه: “عن جسمه فيم أبلاه”، وفي الحديث الآخر الذي يرويه الإمام البخاري: “إن لجسدك عليك حقاً”.

سيتركز مقالي حول خمسة جوانب مهمة للبناء الجسدي السليم لأبنائنا وبناتنا:

١- التغذية الصحية: وهي حق للأولاد منذ مجيئهم إلى هذه الدنيا، وأهم ما في هذا الباب أن تتحرى الحلال في تغذيتهم في مالك وعملك، وأن تغذيهم الحلال ذاته؛ فلا يصح تغذية أجسادهم بالحرام، لقوله ‎ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والبيهقي: “كلُّ لحمٍ نبَتَ منَ السُّحْتِ كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ”، على سبيل الذكر لا الحصر مثلاً: هذه الحلويات أو السكاكر (الكاندي) التي يتهافت عليها الأبناء ويحبونها، فضلاً أن كثرة السكريات تضر أجسادهم، فإن بعضها يحوي شحوم الخنزير، وغير ذلك مثلاً من بعض الأطعمة في المطاعم التي تحوي بعض الخمور، وغير ذلك من الآثار السلبية للوجبات السريعة التي ينكب عليها الشباب اليافع، فيشعر بالخمول والكسل، ويعاني الشراهة والبدانة وغيرها من الأمراض.

 

٢- النظافة والتزين: النظافة عنوان كبير في حياة المسلم، “والله يحب المطهرين” كما في سورة التوبة. وخطاب الله لرسوله ‎ﷺ في أوائل ما نزل من السور في سورة المدثر: “وثيابك فظهر”. وجعلها رسول الله ‎ﷺ دليلاً إلى الإيمان، كما في الحديث الذي يرويه سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “النظافة تدعو إلى الإيمان” (الطبراني)، وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام الترمذي: “إن الله نظيف يحب النظافة”. لذلك واجب على الأبوين الحرص على نظافة أبنائهم منذ قدومهم إلى هذه الدنيا وهم رضع صغار، وتعليمهم تنظيف أنفسهم مع تقدمهم في العمر، ليس أقله تعليمهم كيف يستعملون بيت الخلاء، وعدم نثر شيء من النجاسة على ملابسهم ولا في داخل الحمام، لأن صحة صلاتهم مرهونة بوضوئهم، وفي حال وجود النجاسة فلا صحت الطهارة ولا صحت الصلاة، ثم إذا ما بلغوا سن الرشد، لا بد أن يتعلموا أحكام الغسل وسنن الفطرة. ومما يجب على الوالدين الحرص عليه، أن يتزين أبناؤهم ويظهروا بمظهر المسلم المرتب؛ فما يصح لبسه عند النوم لا يخرج به أمام الناس، وما يلعب به خارجاً لا يصح المجيء به إلى المسجد، تحقيقاً لأمر الله في سورة الأعراف: “يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد”.

 

٣- الصحة والتداوي: وهذه مهمة جداً وقاية أولاً، ثم تداوياً لا قدر الله لو حصل المرض ثانياً، ومما يساعد في هذا، أن يحرص الوالدان أن لا يؤذي الأبناء أنفسهم بأكل أو بشرب ما حرمه الله ويعود سلباً على صحتهم، كالدخان والخمر والمخدرات والحشيش… ولا قدر الله إن تعرض أحدهم لذلك، المسارعة لعلاجه ومساندته ليتخلص من إدمانه، وفي هذا الباب كذلك، لا بد أن يتربى الأولاد أن هذا الجسد أمانة وليس ملكاً لهم؛ فلا يقولن أحد هذا جسدي وأنا حر فيه، فتجده يدمره بهذه السموم تارة، ويكشف عورته أمام الآخرين تارة، بل حتى يجاوز البعض الحد بأن يقوموا بإنهاء حياتهم بإطلاق رصاصة على ذلك الجسد، متذرعين بأنهم يملكون أنفسهم وحياتهم… الوصية الربانية واضحة صريحة: “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة” (البقرة: ١٩٥).

 

٤- الترويح المناسب: هذه النفس تمل وتضعف، وبطبعها تحب المرح والترفيه، ومن واجب الآباء أن يتخيروا أفضل سبل المرح لأبنائهم وأكثرها أمناً، بما لا يغضب الله؛ فمثلاً دفعهم لتعلم الأنواع المختلفة من الرياضات، كما في قول عمر رضي الله عنه: علموا أبناءكم السباحة والرماية وركوب الخيل؛ فهي رياضيات تعلم الانضباط وتنمي الشعور بالمسؤولية، مما يُثمر خيراً وينعكس على شخصياتهم قوة واعتزازاً. ومما ينبغي الانتباه إليه عند ذهاب أبنائنا إلى النوادي الرياضية، مساعدتهم على غض البصر وعدم فتح باب الشر أمامهم: “قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم” (النور: ٣٠)، على الأقل أن يتخيروا الأماكن والساعات التي يقل فيها الاختلاط، ويحرصوا على ستر أجسادهم… لكن أن ترى الأب والابن أو الأم والبنت، يلعبون بذات النادي، وهم يرون ما فيه من المخالفات الشرعية، دون تنبيه أو توعية، فهذه مصيبة! ومثلها من يخرج في إجازة لأماكن اللهو والفساد، ويصطحب زوجته وأبناءه إليها، غير آبهٍ بما يتعرضون له من الفتنة والمحرمات. يكفي أن أذكر لكم قصة الفضل ابن العباس عم رسول الله ‎ﷺ، كان الحج، وأردف رسول الله الفضل خلفه، فجاءته جارية شابة تسأله في شأن الحج، والفضل يرقبها بعينه، فلوَى عنقَ الفضل، فقال له عمه العبَّاسُ رضي الله عنه: يا رسولَ اللهِ لويْتَ عنقَ ابنِ عمِّك، فقال ‎ﷺ: “رأيتُ شابًّا وشابَّةً فلم آمَنِ الشَّيطانَ عليهما”. هل أَمِنَّا الشيطان على أبنائنا حتى نقذفهم في مثل بؤرة الشر هكذا؟ نحن نتعبد الله في مرحنا وترفيهنا، فلنتق الله في ذلك.

 

٥- التربية الجنسية: وفي هذا الباب، أذكر بعض النقاط من غير تفصيل:

  • إخراجهم من غرفة الوالدين بمجرد انتهاء فترة رضاعتهم.
  • تعليمهم آداب الاستئذان.
  • عدم تبديل الملابس أمامهم حتى وإن كانوا صغاراً.
  • تعليمهم ستر العورة وحدودها.
  • التفريق بينهم في المضاجع والغرف.
  • تعليمهم شروط اللبس وطريقة الجلوس.
  • تعليمهم ما يجوز أن يُرى منهم.
  • تعليمهم ما يجوز أن يروه من الآخرين.
  • حمايتهم من التحرش وتنبيههم ليُسروا إليك في حال تعرض إليهم أحد.
  • لا تترك الأولاد لوحدهم مع أحد مهما كانت العلاقة إلا للضرورة القصوى والمتابعة.
  • مناقشة تفاصيل البلوغ، الولد مع الأب والبنت مع الأم.
  • ما يسمح وما لا يسمح في فترة الخطوبة ثم الكتاب والزواج من بعده.

وفي باب الثقافة الجنسية، لا بد من تثقيف الأبناء والبنات بها أو على الأقل بلمحات حولها بما يتوافق مع أعمارهم، ويتأتى هذا على مراحل:

  • قبل سن السابعة: التعرف على الجسد، وستر العورة.
  • من سن ٧-١٠: آداب الاستئذان وآداب النظر.
  • من سن ١٠-١٤: آداب المراهقة وتجنب المثيرات الجنسية.
  • من سن ١٤-١٦: أحكام البلوغ وآداب التواصل مع الجنس الآخر.
  • من سن ١٦ فما فوق: أحكام الشباب وآداب العفة حال عدم القدرة على الزواج، وخطوات الزواج.

 

خلاصة القول في ختام هذه السلسلة: هذه لمحات في التربية الإسلامية الصحيحة، فيها التوعية المطلوبة للوالدين والنشء، والتحذير مما قد يعتري هذه العملية التربوية من خلل، وفيها الربط بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، خير دليل يُستند عليه، وخير ملاذ نلوذ به، ونهرع إليه. وكما بدأنا هذه السلسة بحديث لرسول الله، ها نحن نتذكره مراراً وتكراراً ليكون نبراساً نعود إليه كلما حاد بنا الطريق، حتى نعدل البوصلة، ونجدد المسير نحو الصواب بإذن الله: “إنَّ اللهَ سائلٌ كلَّ راعٍ عمَّا استرعاه: أحفِظ أم ضيَّع” (صحيح ابن حبان). وقد قال شوقي أمير الشعراء سابقاً:

ليس اليتيم من انتهى أبواه         مِنْ همِّ الحياة وخلفاه ذليلاً

إن اليتيم هو الذي تلقى له         أُمَّاً تخلَّت أو أباً مشغولاً

فاسألوا الله المعونة في تربية أبنائكم، ولا تفوتنكم فرصة الاستثمار فيهم، ولا يكونن أبناؤكم أيتاماً، وأنتم على قيد الحياة.

الشيخ جعفر حوى