التربية الروحيَّة

تطرقتُ في المقال السابق إلى أول نوع من أنواع التربية الإسلامية المنشودة للأبناء والبنات، وهو التربية العَقَدِيَّة، وخلصنا إلى أن الولد إذا ما نشأ على عقيدة صحيحة، غدا مستعداً لترجمة تلك العقيدة أفعالاً تعبدية، تحقيقاً لما يأمره به الله ورسوله ‎ﷺ، وقلنا أن التربية العقدية محلها القلب، والتربية الروحية ثمرة لها في أعمال الجوارح، ومقالي إليكم اليوم حول النوع الثاني من أنواع التربية وهي تربية الأبناء الروحية، في ستِّ روابط ينبغي ربط الأبناء بها، وهي في نظري خلاصة ما ينبغي الالتفات إليه عند البناء الروحي لدى أبنائنا، حتى تشرق أرواحهم بنور الله، وهاكم تفصيلها:

 

  • ربطهم بالعبادة:
  • أولها الصلاة: وحديث الرسول ﷺ صريح في هذا الصدد: “مُروا أولادَكم بالصلاةِ وهم أبناءُ سبعِ سنينَ واضربوهُم عليها وهمْ أبناءُ عشرٍ وفرِّقوا بينهُم في المضاجع” (صحيح أبي داوود)، ومن أفضل الطرق أن يرونك تصلي أمامهم، أن تقيم الجماعة مع أمهم، ثم تعلمهم كيف يصلوا معك، وإذا ما كبروا وحفظوا شيئاً من القرآن أن تقدمهم ليؤموك في الصلاة. تابعهم في الصلاة، ربما يكذبون أحياناً وأنت تعرف ذلك، لا تظهر لهم ذلك، وأشعرهم أن الله يراهم ويسعد لالتزامهم بالصلاة، الصلاة جماعة قد تكون حلاً إذا وجدتهم يتنصلون منها، أكرمهم وأغدق عليهم الجوائز حال الالتزام بالصلاة، أعد لهم حفلة الالتزام بالصلاة كما تفعل في أعياد الميلاد، للبنات على وجه الخصوص: علموهن الحجاب، وأعدوا لهن حفلات الحجاب كذلك ليشعرن بالتميز، أما بالنسبة للضرب المذكور في الحديث الشريف، فهو حتماً ليس ضرب الأذى أو الاعتداء الجسدي، إنما القصد منه إظهار جدية الأمر وحساسيته في قلوب النشء، فكما نعلم من خُلُقِه ﷺ أنه ما ضرب طفلاً ولا امرأة، فكيف يأمر الآباء بضرب أبنائهم؟ وإن كان لا بد، فهو كما ورد في الأثر الضرب بالسواك، الذي لا يترك أثراً ولا يؤذي، عدا أنه يوصل رسالة الجدية في هذا الأمر، والله أعلم.
  • ثانيها الصيام إن كانوا يطيقونه، أو يصومون ربع اليوم أو نصفه.
  • ثالثها تعليمهم الزكاة وإشراكهم في إخراجها للفقراء والمساكين.
  • رابعها الحج إن كان الوالد قادراً على تحمل نفقتهم، بحيث يأخذهم معه للزيارة ومشاهدة المناسك عياناً.
  • لا بد من تعليم الولد أن العبادة لا تقتصر على هذه الأركان فحسب، بل لا بد من تعليمهم أن العبادة تشمل كل عمل صالح يُبتغى فيه وجه الله، مثل سائر الأخلاق كالصدق والبر والإحسان، واتباع الخير ونبذ الشر، بل ما هو فوق ذلك من العادات التي لو ارتبطت بنية صالحة لغدت عبادة، كمن ينام بنية الاستيقاظ لصلاة الفجر مبكراً، أو كمن يأكل ليتقوى جسده على طاعة الله.

 

  • ربطهم بالقرآن الكريم:
  • ربطهم بالقرآن سموٌ لأرواحهم، وفصاحة لبيانهم، وتزكية لنفوسهم، حامل القرآن عزيز عند الله، حبيب لرسول الله، ولقد حفظ الله قرآنه الكريم بقوله: “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون” (الحجر: ٩)، ومن حِفظِ الله قرآنَه أن يحفظ قراءه وحامليه، كل على قدر علاقته به، ورسول الله ‎ﷺ جعل الخيرية فيمن يتعلمه ويعلمه بقوله: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه” (صحيح البخاري)، وقد دأب السابقون من أرباب الدين والعلم والفكر والسياسة لتوجيه أبنائهم نحو القرآن، تلاوة وحفظاً وفهماً وتدبراً، لإيمانهم أنه كنز ثمين لا يضاهيه في أثره في نفوس النشء شيء.
  • هذا الربط يجب أن يكون إما من خلال البيت نفسه في أن يكون الوالدان هما رفقاء رحلة القرآن، أو من خلال المسجد ومدرسة القرآن، فتكون الصحبة الصالحة التي يتنافس فيها الأبناء مع بعضهم هي رفقة رحلة القرآن، وأسالوا أبناء حلقات القرآن عن جمال صحبتهم، وعن روعتها ورونقها وصفائها، صافية راقية من غير مصلحة دنيوية، على مائدة القرآن يلتقون، ولأجله يتنافسون.
  • ومن ربطهم بالقرآن تتأكد أهمية ربطهم باللغة العربية، يفهمون القرآن، ويفهمون حديث رسول الله ‎ﷺ، ويدخلون باب العلم الشرعي من أوسعه.

 

  • ربطهم بالمسجد: أول ما فعله النبي ‎ﷺ عندما هاجر إلى المدينة هو بناء المسجد، لأهميته البالغة للمجتمع المسلم، ولأن أبناءنا هم قادة المستقبل لهذا المجتمع، عليهم أن ينطلقوا من المساجد، لأسباب كثيرة، في مقدمتها:
  • لتحصيل شهادة الإيمان بالله أولاً بعمارة هذه المسجد، كما يقول سبحانه وتعالى: “إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله” (التوبة: ١٨)، وكما يثني النبي ﷺ: “إذا رأيتم الرجلَ يعتادُ المسجد، فاشْهَدُوا له بالإيمان” (سنن الترمذي).
  • لسماع كلمة الخير، وتحصيل العلم الشرعي النافع، وليس أقلَه تعلم القرآن الكريم.
  • للتفاعل مع المجتمع المسلم الكبير، في عيش أفراحه وأحزانه، والعمل على تلبية حاجاته وتطلعاته، وبناء صداقات جديدة تلتقي على الله، وتذوق حلاوة الحب في الله.

 

  • ربطهم بذكر الله: ذكر الله راحة لقلوبهم ومبعث أمان لأرواحهم، يكفيهم أن يعلموا أنهم إذا ذكروا الله ذكرهم الله، كما قال الله: “فاذكروني أذكركم” (البقرة: ١٥٢)، وذكر الله لنا فيه السعادة والهناء. وفي هذا الصدد، لدينا العديد من الأمثلة المهمة المندرجة تحت أنواع الذكر:
  • علموهم الاستغفار: إذا أخطأوا في أي أمر يستغفروا الله فيغفر الله لهم، علموهم أن يستغفروا بعد كل صلاة اتباعاً لسنة الرسول ‎ﷺ، وعلموهم كما أن الله يغفر، يجب أن يغفروا هم للآخرين أخطاءهم ويتسامحون فيما بينهم، وإلا كيف نرجو مغفرة الله ونحن لا نغفر لبعضنا البعض؟.
  • علموهم أذكار الصباح والمساء: تتبارك أيامهم بذكر الله تعالى مع كل شروق وغروب، فيشعرون بالاتصال الدائم مع الله.
  • علموهم أذكار النوم: فيطردون عنهم كل شر؛ بأن يكون آخر ما يقومون به في يومهم ذكر الله.
  • علموهم تحية الإسلام، يفتخرون بها هوية وتحية وذكراً لله تعالى، كلما التقوا بصديق أو فارقوه، بدلاً من تحايا أخرى، نفهم أن يستعملوا تحية عامة أهل البلد مع غير المسلمين، لكن أن تسبق دائماً على ألسنتهم فهذا غير محبذ، تحية الإسلام السلام، ولا بد أن يبادروا إخوانهم المسلمين بها.

 

  • ربطهم بالنوافل: والنوافل هي عبادات التطوع من غير الفريضة، خصوصاً التي ثبت أنه ‎ﷺ داوم عليها، والغاية من ربط الأبناء بها، تعزيز حب النبي ‎ﷺ في قلوبهم أولاً؛ فعلى قدر حبه على قدر ما يقتفون أثره في سننه الكثيرة، ثم ثانياً أن يشعروا دائماً بحاجتهم إلى تقديم المزيد، ولا يكتفي الواحد منهم بالحد الأدنى، مما ينمي شخصياتهم، ويدفعهم للتميز. ومن هذه السنن:
  • السنن الراوتب قبل الصلاة وبعد الصلاة، وتحية المسجد، وصلاة الوتر، وصلاة التراويح، وصلاة الاستخارة، إلى غير ذلك.
  • ومن نافلة الصيام على سبيل الذكر لا الحصر صيام يوم عرفة، اتباعاً لحديث النبي ‎ﷺ: “صِيَامُ يَومِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ علَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتي بَعْدَهُ” (صحيح مسلم)، وَصِيَامُ يَومِ عَاشُورَاءَ الذي قال فيه ‎‎ﷺ: “أَحْتَسِبُ علَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتي قَبْلَهُ”.
  • صدقة النافلة كلما تيسر لهم، خدمة لفقراء المسلمين، وسعياً لترك بصمة في مشاريع الخير حيثما استطاعوا.

 

  • ربطهم بمراقبة الله تعالى: وهذا مصداق قوله تعالى: “وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير” (الحديد: ٤)، فيتربى الولد وهو يشعر بمعية الله، فيسعى جهده أن يكون من أهل التقوى والصلاح، ولذلك قالوا: لا تخف ممن يخاف الله وخف ممن لا يخافه!.

وخير مثال على تعزيز مفهوم المراقبة لدى قلوب أبنائنا ما ذكره الإمام الغزالي في الإحياء عن سهل بن عبد الله التستري رحمه الله، الذي عاش في القرن الثالث الهجري، عن موقف حصل له مع خاله محمد بن سوار رحمه الله. كان سهل طفلاً صغيراً يصحو بالليل فيرى خاله قائماً يصلي، يقول: قال لي خالي يوماً: “يا سهل! ألا تذكر الله الذي خلقك؟”. قلت: فكيف أذكره؟ قال: “عند تقلبك في فراشك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك: الله معي، الله ناظر إلي، الله شاهدي” فقلت ذلك، ثم أعلمته فقال: “قلها كل ليلة إحدى عشرة مرة”، فقلت ذلك، فوقع في قلبي حلاوة. فلما كان بعد سنة قال لي خالي: “احفظ ما علمتُك، ودم عليه، إلى أن تدخل القبر، فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة”. فلم أزل على ذلك سنين، فوجدت له حلاوة في سري، ثم قال لي خالي يوماً: “يا سهل! من كان الله معه، وهو ناظر إليه، وشاهده، يعصيه؟ إياك والمعصية”.

 

بهذه الروابط الست، نبني روح أبنائنا وبناتنا؛ فتسمو علاقتهم مع الله، ويكونون على أتم الاستعداد لفهم قضايا الأمة والمجتمع من حولهم، ويسعون فيما فيه صلاحها ونجاتها عند الله، وهذا ما نناقشه في التربية الفكرية في مقال قادم إن شاء الله.

الشيخ جعفر حوى