كنا قد بدأنا الحديث سابقاً في سلسلة: على خطى تربية ناجحة، وتحدث المقال السابق حول صفات المربي التي يجب توافرها لدى كل أب وأم، ومربٍ ومربية، حتى نصل إلى النتائج المرجوة لدى أبنائنا وبناتنا، ومقال اليوم يتعلق بالنوع الأول من أنواع التربية، وهو التربية العَقَدِية، التي تتعلق بالدرجة الأولى بالعقيدة التي يحملها أبناؤنا وبناتنا في قلوبهم، ويترجمونها أفعالاً في حياتهم. ولعل سائلاً يسأل لماذا العقيدة أولاً؟ وليس مهارات التواصل في التربية الاجتماعية مثلاً؟ أو ليس التربية الجسدية التي تتعلق بجسد المرء الذي يبدأ بالتعرف عليه منذ نعومة أظفاره؟ الجواب يبدو جلياً في قرآن الله وفي سنة رسوله ﷺ:

  • المثال القرآني الأميز لدى المربي الفذ، لقمان الحكيم عليه السلام: ” وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ” (لقمان: ١٣)؛ فأول ما بدأ به لقمان عليه السلام نصيحة ولده بعدم الشرك، وهذا هو الإيمان، والإيمان هو العقيدة.
  • المثال النبوي في تربية الصحابة الكرام، كما يروي جندب بن عبد الله رضي الله عنه: “كنَّا معَ النَّبيِّ ﷺ ونحنُ فتيانٌ حزاورةٌ (جمْعُ حَزْوَرٍ، والحَزْورُ: الغلامُ إذا اشتَدَّ وقوِيَ وخدَمَ، وقاربَ البُلوغَ) فتعلَّمنا الإيمانَ قبلَ أن نتعلَّمَ القرآنَ ثمَّ تعلَّمنا القرآنَ فازددنا بِه إيمانًا” (صحيح ابن ماجه)، أي أنهم مع تقدمهم في سن اليفاعة كانوا يتعلمون الإيمان؛ فلما انكبوا على القرآن وجدوا القرآن معزِزَاً لما آمنوا به، ولم يقرأوا القرآن عن جهل وعدم تنبه. وفي الحديثِ الشريف ترتيب للأولويَّات عند تربية النَّشء، والحرص على ملْئهم بالإيمان قبل ملْئهم بالحفظ المجرَّد.
  • من عرف الله كان أقدر على معرفة نفسه، مفتاحك للتعرف على نفسك أن تعرف الله الذي خلق هذه النفس؛ فلا عجب أن أعظم عقاب عاقب الله به من غفلوا عنه أنه أغفلهم عن أنفسهم، فقال فيهم: “نسوا الله فأنساهم أنفسهم” (الحشر: ١٩)، فالمرء يعرف نفسه والكون من حوله بمعرفة الله، وهذا كله مدار علم العقيدة، وموضوع التربية العَقَدِية.

فلأجل هذه الأسباب الثلاثة وغيرها، استحقت التربية العَقَدِية أن تكون أولاً.

لا يمكن أن تكون التربية العَقَدِية تعليماً مجرداً وتنميطاً ممنهجاً كما يتعلم الولد في الدرس، في أن يأتي المربي ويقول له احفظ من ورائي أركان الإيمان بتفاصيلها… وهكذا من غير وعي ولا تمحيص، بل ينبغي أن تُزرع بالحب، وأن تسقى بالاهتمام، وأن تُقطف ثمراتها باللطف، تماماً كما توحي إليه كلمة “بني” في وصايا لقمان الحكيم، وكذلك كلمة “غلام” في تعليم النبي ﷺ سيدنا عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما أُسس العقيدة في حديثه المشهور: “يا غُلامُ إنِّي أعلِّمُكَ كلِماتٍ، احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تجاهَكَ، إذا سأَلتَ فاسألِ اللَّهَ، وإذا استعَنتَ فاستَعِن باللَّهِ، واعلَم أنَّ الأمَّةَ لو اجتَمعت علَى أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يَنفعوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ لَكَ، وإن اجتَمَعوا على أن يضرُّوكَ بشَيءٍ لم يَضرُّوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ عليكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحفُ” (صحيح الترمذي)، وإن أفضل طريق نستطيع من خلاله أن نُثَبِّت العقيدة لدى أبنائنا، أن نعيش معهم العقيدة، أن نعيشها لا أن نلقيها لهم مادة مغلفة معلبة، نعيش معهم أركان الإيمان الستة بروحانيتها وجمالها، وإليكم بيان ذلك:

  • الإيمان بالله، وبوابته في بث فكرة وجود الله الخالق الذي خلقنا وخلق كل شيء، وأمرنا بالعبادة والتوجه إليه في كل حال، ومناداته حال الحاجة، ودعائه والطلب منه كل ما نرغب. وهذه الركن يقوي علاقة الطفل بالله ويحميه من الإلحاد، ويحفظه من الانحرافات والخرافات، ويحثه على العلم والفهم. لا عجب أن نجد أن غالبية؜ من ألحدوا ألحدوا عن جهل، عجزوا عن فهم الله فأنكروه، كما قال فيهم أحمد شوقي رحمه الله في أسواق الذهب: “وما الفرق بيننا وبينك أيها الملحد إلا أنك قد عجزت فقلت: سر من الأسرار، وعجزنا نحن فقلنا: الله وراء كل ستار!!”.
  • الإيمان بالملائكة: في أنهم جند الله؛ فجبريل مسؤول الوحي، وميكائيل مسؤول الرزق، ومالك خازن النار، ورضوان خازن الجنة… هذا علم نظري لا بد من تعليمه للطفل، والأهم منه أن يعلم أن الملائكة خلقوا من نور لتنفيذ أوامر الله من غير اعتراض: “مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ” (التحريم: ٦)، وأن الإنسان قد يتفوق عليهم باختياره الصحيح في عبادة الله وتنقية نفسه من المعاصي، فيرى نفسه مماثلاً للملائكة في مهمة العبادة، ومتوفقاً عليهم بالثبات عليها.
  • الإيمان بالكتب: وأهمها القرآن الكريم، ويجب أن يُدركَ الطفل كنه العلاقة الطيبة الراسخة المرجوة مع القرآن الكريم، الذي هو منهج المسلم في الحياة، فيه الاستقامة وفيه الإجابة على كل الأسئلة، ليس علاقة حفظ فقط، ولا علاقة عد صفحات فقط، بل علاقة تدبر وامتثال، علاقة حال ومقال، تقوده إلى الإيمان أن الله أنزل هذه الكتب وفي مقدمتها القرآن حتى يترجم النص فيها أفعالاً، كما قال سيد قطب رحمه الله في مقالته انتصار محمد بن عبدالله: “وانتصر محمد ابن عبد الله يوم صنع أصحابه عليهم رضوان الله صوراً حية من إيمانه، تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، يوم صاغ من كل منهم قرآناً حياً يدب على الأرض، يوم جعل من كل فرد منهم نموذجاً مجسماً للإسلام، يراه الناس فيرون الإسلام. إن النصوص وحدها لا تصنع شيئاً، وإن المصحف وحده لا يعمل حتى يكون رجلاً، وإن المبادئ لا تعيش إلا أن تكون سلوكاً، ولقد انتصر محمد يوم صاغ من فكرة الإسلام شخوصاً، وحول إيمانهم بالإسلام عملاً، وطبع من المصحف عشرات من النسخ ثم مئات وألوفاً، ولكنه لم يطبعها بالمداد على صحائف الورق، إنما طبعها بالنور على صحائف القلوب”.
  • الإيمان بالرسل: وفي مقدمتهم محمد ‎ﷺ، في أنهم المبلغون عن الله، والموضحون لتعاليم الله، هم بشر مثلنا، لكن الله ميزهم بالنبوة، وعصمهم من الخطأ في التشريع، فيقبل منهم لأنهم لو لم يكونوا بشراً لم يكن ليتقبلهم أحد من البشر، فيراهم قدوة ومثالاً، بل ويتقرب إلى الله بحبهم، وما يملك المرء إلا أن يحبهم لفضلهم ومكانتهم وجلالة شخصياتهم التي ميزهم الله بها، ودور المربين هنا أن يقصوا لهم قصص السيرة الغراء، وقصص الأنبياء، ليعزَزَ هذا المفهوم لديهم من خلال القصة.
  • الإيمان باليوم الآخر: وهذا ليعلم الولد مكانة هذه الدنيا، وأنها ليست إلا محطة يتزود فيها للآخرة، ليتحصل على هديته من الله جزاء عمله، الجنة. حدثوا أبناءكم من لحظة تعقلهم عن الجنة وعن صفات جمال الله، وأخروا الحديث عن النار والشيطان والموت حتى يكبروا قليلاً، وكم وكم مرت من قصص أرعبت الأطفال وهم ليسوا بوارد فهم النار ولا الموت ولا الشيطان… حديثنا عن اليوم الآخر ينبغي أن يحملهم على الشوق للقاء الله ولقاء رسول الله، ولقاء من يحبون من أبطال الإسلام، لا بد من ربطهم باليوم الآخر على أنه يوم السعد للمؤمن المستعد، حدثوهم أنه يوم شاق طويل، لكنه سهل ويسير على عباد الله المؤمنين، حدثوهم عن سبعة أنواع من الناس يظلهم الله بظله يوم القيامة، حدثوهم عندما يكبرون قليلاً عن الموت وأنه ليس إلا رحلة لنعود أجمل، وأن الله يكتب علينا الموت لأنه يريد منا أن نستعد ليوم القيامة، فنحن نذهب عندما نموت لنشاهد حلماً جميلاً عن الجنة ونعيمها حتى يجتمع كل أحبابنا معنا.
  • الإيمان بالقدر خيره وشره: علموا أبناءكم أن يكونوا من أهل الحمد، حالَ الرضا وحالَ عدمه، علموهم أن كل شيء بأمر الله، وكل ما يحصل لنا يختاره لنا الله، لا تتذمروا أيها الآباء والأمهات أبداً من قدر الله، لا أمامهم ولا من ورائهم، لا تقولوا في معرض الاعتراض: لماذا أنا يا رب! بل علموهم التسليم، ولا تحاولوا إشعارهم بأن قدر الله عقوبة: لأنك فعلت كذا صار كذا، لا، بل ينظروا إلى ما يقدره الله أنه فرصة للفرح إن كان خيراً، وفرصة للأجر إن كان غير ذلك، والمحصلة أنه كله خير، فيكبر الولد قنوعاً راضياً عن الله غير ساخط، إن أصابه المرض نظر نظرة إيجابية للأمر؛ في أن الله يغفر لك ويرفع مكانتك لتكون في الجنة أقرب لرسول الله، ابحثوا عن زوايا مظلمة وأسقطوا عليها الضوء في هذا الباب لتكون رسائل تربوية عميقة المعنى وبليغة الأثر، من خلال الإيمان بالقدر.

وفي آخر المطاف، إذا ما نشأ الولد على عقيدة صحيحة، كان هذا أدعى إلى تنفيذ كل ما يطلب منه تقرباً من الله وتعبداً له بإخلاص، إذا ما عرف الله استجاب لأمره، وإذا ما عرف رسول الله ﷺ سار على نهجه، وهذا الفرق بين التربية العقدية والروحية، التربية العقدية مكانها القلب، والتربية الروحية ثمرة لها تُترجم في أعمال الجوارح، والتي سيكون حديثنا عنها لاحقاً بإذن الله.

الشيخ جعفر حوى