تحدثت في مقالات سابقة عن أقسام التربية الإسلامية المنشودة وأولها العقدية، وخلاصتها أن الولد إذا نشأ على عقيدة صحيحة، كان مستعداً لتقبل أوامر الله ورسوله ﷺ فيما بعد، وهذه العقيدة تُثمر روحاً، وقد تحدثنا عنها في التربية الروحية التي هدفها صلاح الفرد المسلم، من خلال ربط الولد بست روابط: العبادة، المسجد، القرآن الكريم، ذكر الله، النوافل، مراقبة الله. وبعد الحديث عن الفرد المسلم، يأتي الحديث عن الأمة، والتي تصلح إذا صلح الفرد من أبنائها، لكن صلاح الفرد لوحده لا يكفي، لا بد من تربيته وتدريبه على أن يكون صاحب هم يسع الأمة كلها، وصاحب قلب يتسع لكل قضاياها، وصاحب حركة تتعدى الحدود ثمرتها، وهذا موضوع مقالي إليكم، حول التربية الفكرية، وهي القسم الثالث من أقسام التربية، وهو ملخص حول أربع جوانب ينبغي تغذيتها عند تربية النشء، وصولاً بهم إلى فكر سليم فيما يتعلق بالأمة المسلمة:

  • فكرة الأمة أولاً، والانتماء للمجتمع المسلم: لأهميتها البالغة، والحاجة الماسة لها، ذكرها الله في مطلع القرآن الكريم، في أول سورة تطالعك: الفاتحة، عند قوله تعالى: “إياك نعبد وإياك نستعين” (الفاتحة: ٥)، كما يقول جدي الشيخ سعيد حوى رحمه الله: “الأصل في المسلم أن يكون جزءاً من كلّ، هو جماعة المسلمين، وأن الأصل في التربية الإسلامية أنها تقوم على التربية الجماعية”. ليعزز المفهوم أنك لست وحدك، بل أنت في عبادتك لله شريك للمئات والآلاف بل والملايين، كما قيل: المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، ومن كان وحيداً كان هدفاً سهلاً للشيطان ولأهوائه. وتعزيزاً لهذا المفهوم لا عجب أننا نجد مثلاً أن أجر صلاة الجماعة أكثر من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، كما يروي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ‏”صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاَةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَة” (صحيح البخاري)، تحفيزاً للفرد المسلم أن يحضر لصلاة الجماعة، ويثبت وجوده ضمن الفئة المؤمنة. وهذا الشعور بكون الإنسان تابعاً لجماعة، هو جزء منها، وهي جزء منه، يبعث في النفس القوة والمهابة، فلا يخاف، ولا يتردد في مواجهة ما يعرض له، وهذا خلاصة فهم حديث الرسول ﷺ: “يَد اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ يَرْكُضُ”‏ (سنن النسائي). وسعياً لإثراء هذه الفكرة لدى أبنائنا وبناتنا، علينا بما يأتي، على سبيل الذكر لا الحصر:
  1. لا بد من تربية الولد على أن يجعل من نفسه جزءاً من أمة المسلمين، ينتمي إليها ويشعر بأنه تابع لها، مما يقويه في مواجهة الصعاب، ويدفعه للإيمان بأن هناك من يساعده، وفي طريقه يدعمه، بل لا بد أن يعيش آيات الله: “إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا” (النساء: ٥٥)، وكذلك: “إنما المؤمنون إخوة” (الحجرات: ١٠)، وكذلك: “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض” (التوبة: ٧١).
  2. كل فرد مسلم مهم، ولكل فرد مسلم مَهمَّة، وواجب المربين أن يتيحوا الفرصة لأبنائهم وبناتهم لإيجاد همهم ومهمتهم في أمة الإسلام، والقيام بها على أكمل وجه تحت شعار: هم على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلهم، ليعيشوا هموم الأمة في كل زمان ومكان وكأنها همومهم الشخصية. ولهذا أمثلة كثيرة في سيرة النبي ‎ﷺ، على سبيل المثال: عبد الله ابن أم مكتوم رضي الله عنه، ذلك الضرير الذي لا يرى، الذي أنزل الله فيه قرآناً في ستة عشر آية من سورة عبس تعاتب النبي ﷺ لأنه لم يرعه انتباهه، حتى اتخذه رسول الله ﷺ لاحقاً مؤذناً للفجر يصوم الناس وِفق أذانه كما يروي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “‏إِنَّ بِلاَلاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ـ أَوْ قَالَ حَتَّى تَسْمَعُوا ـ أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ”‏‏.‏ وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلاً أَعْمَى، لاَ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ أَصْبَحْتَ‏ (صحيح البخاري). ويجعله الرسول ‎ﷺ خليفة له في المدينة في حال سفره ثلاثة عشر مرة، ويخرج مع المسلمين في معركة القادسية، ويقول لهم أنا أعمى لا أرى فلا أستطيع الهرب، حملوني لواء المسلمين، ويفعل هذا حتى يستشهد، رضي الله عنه وأرضاه. هذا ابن مكتوم الضعيف في جسده، وحال بلال ابن رباح رضي الله عنه لا يغدو مختلفاً كثيراً، كان عبداً حتى أعتقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، واتخذه الرسول ‎ﷺ مؤذنه الخاص، هذا بلال الضعيف في قبيلته، يعتلي أطهر مكان وأشرفه! وحال سلمان الفارسي رضي الله عنه كذلك يبدو مشابهاً، كان يقدم للنبي ﷺ الاستشارة العسكرية، ويستجيب له النبي ﷺ وهو الغريب عن موطنه، من غير موطن ولا قبيلة. وحال أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو الذي كان بمثابة رئيس وزراء النبي ﷺ ويده اليمنى ووزير ماليته، وحسان ابن ثابت رضي الله عنه الذي كان شاعر النبي ‎ﷺ ووزير إعلامه، ومعاذ ابن جبل رضي الله عنه الذي كان مبعوثه الخاص ووزير تعليمه، وغيرهم وغيرهم الكثير. ثم إن حال النساء لا يقل أهمية عن الرجال، فهذي خديجة بنت خويلد رضي الله عنها تتاجر في مالها، وتضع نفسها ومالها رهن إشارة النبي ‎ﷺ خدمة لدين الله، وهذي رفيدة الأسلمية أول ممرضة في الإسلام، تخرج مع النبي ‎ﷺ في غزواته، وتدرب النساء على الجراحة وتطبيب الجرحى، في حرب وفي غير ذلك، ويعطي لها النبي ﷺ نصيباً من الغنائم كما يعطي الرجال، ومن ضمن من علمتهم كانت عائشة رضي الله عنها وعن أبيها. وتلك الشفاء بنت عبد الله القرشية تشتغل في التعليم، ويعطيها النبي ﷺ داراً تُعلم فيها، تماماً كمدرسة صغيرة، وتُعلم من جملة من تُعلم حفصة بنت عمر رضي الله عنها وعن أبيها، وتلك أم عمارة رضي الله عنها تحامي عن رسول الله ﷺ يوم فر بعض أصحابه عنه في أحد فيدعو لها النبي ‎ﷺ ولأهل بيتها أن يرافقوه في الجنة. كل هؤلاء الصحابة والصحابيات، مع قوتهم أو مع ضعفهم، ومع توفر الإمكانيات التي تجعلهم يتقدمون الصفوف أو مع عدم توفرها، تبوأ كل منهم مكانته في المجتمع المسلم، وخطوا أسماءهم بمداد الذهب على صفحات التاريخ، رضوان الله عليهم جميعاً، والنبي ﷺ جعل لكل منهم مقامه ومكانه، وِفقاً لما لديهم من خبرات ومساهمات لدى المجتمع المسلم آنذاك، لذلك ينبغي لأبنائنا وبناتنا أن يعلموا نقاط قوتهم ومواهبهم كذلك، كما كان الرعيل الأول، أجدادنا الأفذاذ، وأن يخدموا الأمة بما استطاعوا من خلالها.
  • ثانياً: فكرة المساهمة في الحضارة الإسلامية، وتحقيق الاستخلاف: لا بد من أن يتربى النشء المسلم ذكوراً وإناثاً، أن الأمة بحاجة لهم، ولأعمالهم الطيبة، التي تثري الأمة وتنهض بها وتخدم العالمين، مهما كانت قليلة أو كثيرة، كلها عند الله مشكورة مأجورة، كلها تدفع بعجلة الحضارة المرجوة إلى الأمام، تستمد قوتها وعزيمتها من لدن كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، تسهم في تحقيق الاستخلاف الذي أراده الله لبني آدم على هذه البسيطة؛ فيشعر الولد أنه صاحب مسؤولية تتعدى شخصه لوحده، ويكون هذا دافعاً له للجد والجدية، والتميز والعمل.
  • ثالثاً: فكرة تقديم المصلحة العامة على الخاصة: لا بد أن يتربى الأبناء والبنات على أن يقدموا مصلحة المجتمع على مصلحة الفرد، ومصلحة الإسلام على مصلحة المسلم، وخير مثال على هذا الأنصار رضوان الله عليهم، لما هاجر رسول الله ﷺ وصحابته رضي الله عنهم، ضحوا بالغالي والنفيس فداء لدين الله ولعباد الله، حتى جاء المهاجرون يشتكون لرسول الله شدة كرمهم وعطائهم، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَأَيْنَا قَوْمًا أَبْذَلَ مِنْ كَثِيرٍ، وَلاَ أَحْسَنَ مُوَاسَاةً مِنْ قَلِيلٍ، مِنْ قَوْمٍ نَزَلْنَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، لَقَدْ كَفَوْنَا الْمُؤْنَةَ، وَأَشْرَكُونَا فِي الْمَهْنَأ، حَتَّى خِفْنَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالأَجْرِ كُلِّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:‏ “‏لاَ مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ”‏ (جامع الترمذي)، ليس هذا فحسب بل حتى لما أراد النبي ﷺ أن يكرمهم ببعض الأراضي بالبحرين ماذا كان ردهم؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ فَعَلْتَ فَاكْتُبْ لإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: “إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي” (صحيح البخاري). لذلك استحقوا مدح الله في القرآن الكريم: “وَالَّذِينَ تَبَوَّؤوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (الحشر: ٣). ومن الأمثلة على تقديم مصلحة الدعوة في نجاح المهمة على مصلحة الداعية في نيل الذكر الحسن، ما قصه علينا القرآن الكريم في شأن موسى عليه السلام حين سأل ربه أن يجعل أخاه هارون عليه السلام مسؤول الحديث عند فرعون: “وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي ردءاً يصدقني” (القصص: ٣٤)، آثر تقديم أخيه هارون على نفسه، لأجل مصلحة الدعوة قبل كل شيء، وكان له بأمر الله ما أراد. ولعل المبدأ الأكمل لتقديم مصلحة المجتمع على مصلحة الفرد في عدم استئثاره بالخير لنفسه، حديث رسول الله ‎ﷺ الأشهر: “لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ”. (صحيح البخاري).
  • رابعاً: فكرة العزة بالإسلام: لا بد أن يتربى الأبناء والبنات على أن لا يخجلوا من دينهم وتطبيق شعائره تحت أي ظرف كان، وفي أي مكان وزمان، بل يعتزوا به وبالانتساب إليه، وامتثال شعائره دونما حرج، خصوصاً لدى المجتمعات الغربية، مهم جداً أن يندمج الأبناء والبنات لدى المجتمعات التي يعيشون فيها، لكن دونما ذوبان ينسيهم هويتهم الأولى، ووظيفتهم الأسمى في عبادة الله وعمارة الأرض، وعنواننا في عزتنا هذه، ما ذكره ربنا سبحانه وتعالى في قرآنه الكريم، مذكراً إيانا بأننا الأمة الوسط، أي الأعدل والأخير والأطيب في كل جوانب الحياة: ‏”وكذلك جعلناكُم أمة وَسَطَاً” (البقرة: ١٤٣)، وأننا خير أمة مرت على صفحة الزمان، بما نتمثله من آداب وصفات تحمل الخير للعالمين جميعاً: “كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ” (آل عمران: ١١٠). الانتساب لهذا الدين يبعث في النفس العزة والفخار، وقد قالها الحق سبحانه صدقاً وعدلاً: “ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين” (المنافقون: ٨)، فحق على كل مسلم أن يعيش العزة في حياته، وألا يجعل للشيطان وحزبه سبيلاً عليه يتحلل فيه من ضوابط دينه، ويتهرب فيه من تشريعاته وتعاليمه، لهثاً وراء شهوات وملذات، ومادية عمياء، لا تصل بالمرء إلا إلى الهلاك.

بهذه الأفكار الأربعة، نستطيع أن نغرس في عقول أبنائنا وبناتنا أنهم جزء من أمة عظيمة، الفخر لكل واحد من أفرادها بأنه جزء منها، وتفتخر الأمة كلها بكل مهمة يقوم بها كل فرد فيها، فينزعون عن أنفسهم أنانيتهم، ويتحققون بمفهوم الجماعة، ويعيشون هموم الأمة ومهامها، سعياً إلى الاستخلاف الحق الذي أراده الله، وحققه رسول الله ﷺ وصحابته الكرام نموذجاً حياً يُحتذى في كل زمان ومكان، وتُستلهم منه الفوائد والدروس والعبر، نحو خير المجتمع المسلم الكبير، الذي تحكمه العلاقات المتفرعة، التي تبدأ في دوائر صغيرة بدءاً بالأبوين، تكبر شيئاً فشيئاً لتشمل الإنسانية كلها، وهذا موضوع مقالنا القادم بإذن الله في التربية الاجتماعية، نستكمل فيه سلسة “على خطى تربية ناجحة” بتوفيق الله وكرمه.

الشيخ جعفر حوى