يقول الله تبارك وتعالى في قرآنه الكريم: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” (الحديد: ٢٨)، ولا يمشي بنور الله إلا طيب الأخلاق، وصالح الأقوال والأعمال.

ويقول رسولنا الكريم ‎ﷺ في الحديث الحسن الصحيح الذي يرويه سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه: “اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن” (جامع الترمذي). هذا الحديث الشريف من جوامع الكلم بمثابة نبراس برّاق يدفع بالنفس إلى الارتقاء في العلاقة مع الله والعلاقة مع الناس، فيه نشحذ همتنا ونزكي أنفسنا، رغبة بما عند الله.

إنه لحديث يبعث على الفخر، كيف لا، والنبي ‎ﷺ يأمرنا بذات الذي أمره الله به؟ يكفينا شرفاً أن نُخاطَب كما يُخاطَب ﷺ، يأمره الله بالتقوى في أول سورة الأحزاب: “يا أيها النبي اتق الله” (الأحزاب: ١)، فتراه يأمرنا: “اتق الله حيثما كنت”، ويأمره الله بالاستغفار: “واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً” (النساء: ١٠٦)، فتراه يأمرنا بإصلاح ما فسد رغبة بمغفرة الله وعفوه، ويصفه الله بأنه صاحب الخلق العظيم: “وإنك لعلى خلق عظيم” (القلم: ٤)، فتجده يختتم حديثه بالتوصية بالأخلاق وتمثل أحسنها في التعامل مع الناس.

لمَ قد يبدأ النبي ﷺ حديثه بالتقوى؟ لأنه بحق رأس مال علاقتك بالله، وإذا حسُنت علاقتك بالله حسُن كل شيء بعدها. التقوى كي نقوى! نقوى في محاربة الشيطان، ونقوى في مكابدة الحياة. أذكر هنا قول التابعي الجليل طلق بن حبيب رضي الله عنه في التقوى، يقول: التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله. الرابط إذن هو نور الهداية والتوفيق من الله، ومن أرادها لا بد له من سلوك سبيلها، واتخاذ ما يلزم من زاد للوصل إليها. التقوى أن يكون قلبك حي تستشعر مراقبة الله لك في كل أحوالك.

مع كل عمل سوء قد يبدر منك، لا تتأخر عن العمل الحسن، حتى يُمحى ويغفر لك، وأول ذلك وأهمه الصلاة، وقد ذكرها الله وكأنها سبب محو الذنوب، وهي كذلك: “وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ” (هود: ١١٤)، بل إن لله عطايا تفوق ذلك: “إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا” (الفرقان: ٧٠)، محو للسيئات أولاً، ثم تبديل لها لتكون حسنات ثانياً، في الثانية كسبت حسنة زائدة، وفي الأولى مُحيت السيئة، لأن طلب المغفرة والتوبة بحد ذاته عمل صالح يستوجب الحسنات.

أما الخاتمة لهذا الحديث فأي خاتمة! فيها خلاصة ما يريده ﷺ من أتباعه المخلصين، الذين يمثلونه في تعبدهم وتعاملاتهم، الذين يتشرفون بالانتساب إليه نسب الدين والعقيدة، الذين يحملون رسالته روحاً وريحاناً للعالمين، يريد منا نحن الأتباع أن نكون خير أتباع لخير نبي بحق: “وخالق الناس بخلق حسن”، من كان مُتقياً لا يُقبل أن يكون سيء الخلق بأي حال، من يحافظ على صلاة الجماعة لا يُقبل أن يأكل حقوق الناس، من يحج البيت لا يُتخيل أن يكذب، من يتصدق للمحتاج البعيد لا يُتصور أن يضن على زوجته وأولاده والمحتاج القريب، من يقرأ القرآن ويختمه مرات في كل شهر لا يُقبل منه أن يكون سليط اللسان لعَّاناً بذيئاً، من يقتفى سنة الحبيب ﷺ لا يمكن أن يكون فاحش الخلق سيئاً لجيرانه ومجتمعه… تقوى الله يقودك لأن تكون محموداً بين الناس، وإلا فما وصلت عتبة التقوى ولا قاربته، لا يمكن أن يتصور النجاح في العلاقة مع الله، وعباد الله قلوبهم ملأى بغضاً لك، وألسنتهم مشرعة بالدعاء عليك، فاجعل من حسن علاقتك بالناس سُلماً ترقى به إلى الله؛ فيحبك الله، ويضع حبك في قلوب عباده.

الشيخ جعفر حوى