مقدمة السلسلة:

يحل علينا العام الهجري الجديد 1442 وتحل معه ذكريات عزيزة، ترتبط بعمق بوجدان الأمة، وتشكل جزءا لا يتجزأ من هويتها وتاريخها. إلا أن الأمة تشهد مرحلة من أصعب مراحل تاريخها وأشدها مرارة، مرحلة ابتليت فيها الأمة الإسلامية بالضعف والوهن، والفرقة والتشرذم، والتراجع على مختلف الأصعدة والتخلف عن ركب الحضارة، بحيث أصبحت هذه الرزايا تشكل السمات الأبرز لهذا الواقع المزري.

على أن الأمة الإسلامية، أمة حية، تمرض ولكنها لا تموت، ولديها من مقومات النجاح والنهوض الشيء الكثير.

لكن هذا النهوض يحتاج إلى وعي حضاري، وتخطيط محكم، وقيادات رشيدة، ومجهودات جبارة، وتضحيات هائلة، في سبيل استعادة الأمة لمكانتها المرموقة بين الأمة، ودورها في قيادة البشرية نحو قيم الخير والصلاح والسعادة.

ولكن الخطوة الأولى من بين كل ما سبق، هي الوعي. الوعي الذي يحقق الفهم السليم لواقع الأمة، والتحديات التي تواجهها، وسبل التغلب عليها والنهوض مجددا بها.

ولما كان التاريخ لأية أمة من الأمة، مصدرا أساسيا من مصادر فهمها لحقيقة وجودها وإمكاناتها، وسبل ارتقائها، وأسباب تراجعها، كان لا بد من العودة إلى هذا التاريخ، وتسليط الضوء على قضاياه الكبرى، وإعادة قراءته قراءة جديدة، تتوافق مع واقع الأمة وتحدياتها المعاصرة، بحيث يكون عونا لها على تحقيق ما سبق وحققته قبل أربعة عشر قرنا من الزمان، عندما حول الإسلام العرب من مجرد قبائل متفرقة متناحرة، إلى حملة أعظم حضارة عمرت وجه البسيطة.

على أن لتاريخ تلك الحضارة العظيمة، الممتدة لأكثر من ألف وأربعمائة عام، رباط وحيد يجمع شتاته، وتنتظم فيه معالمه وأحداثه الكبرى، ألا وهو التقويم الهجري، الذي تشكل نقطة بدايته لحظة ميلاد الأمة كأمة، وتشكل نقطة وضعه واعتماده تقويما للأمة لحظة بلوغها مرحلة حضارية متقدمة، احتاجت الأمم الأخرى مئات، وربما آلاف السنين كي تصل إليها. كما تشكل نقطة عزله عن حياة الأمة، واستبداله بتقويمات الأمم الأخرى، لحظة انفراط عقد هذه الأمة، وانفصالها عن تاريخها وأمجادها، وبلوغها أحلك مراحل الضعف والتراجع، وفي النهاية تشكل عودة هذا التقويم المنتظرة في مستقبل الأمة، تتويجا لانتصار الأمة مجددا، وتحقيقا لتطلعات أبنائها بعودتها إلى مصاف الأمم المتقدمة، بل استعادتها دور القيادة والريادة على جميع المستويات، وقيامها مجددا بالدور المنوط بها في دلالة البشرية وقيادتها نحو تحقيق قيم الخير والصلاح والسعادة.

إن هذه السلسلة من المقالات، إنما هي مجهود أقدمه في سبيل تحقيق هذا الوعي، من خلال تسليط الضوء على ذلك الرباط الزمني الذي وضع ليربط مكونات الأمة الإسلامية المبعثرة برباط واحد يجمعها، كما يربطها بتاريخها العريق، وماضيها المجيد، لتبني عليه حاضرها وتستشرف آفاق مستقبلها.

وستتكون هذه السلسلة من حلقات، تشكل كل حلقة منها مقالة تنتظم مع ما يسبقها وما يتلوها من المقالات:

الحلقة الأولى: أهمية التقويم في حياة الأمم.

الحلقة الثانية: ما قبل التقويم الهجري: المحاولات الأولى لوضع التقويم عند العرب.

الحلقة الثالثة: وضع التقويم الهجري، ودلالاته.

الحلقة الرابعة: تغييب التقويم الهجري من واقع الأمة الإسلامية.

الحلقة الخامسة: دور التقويم الهجري في الحفاظ على خصوصية الأمة وتميزها وعدم ذوبانها في الثقافات الأخرى.

الحلقة السادسة: سبل استعادة التقويم الهجري في حياة الأمة الإسلامية.

هذا وربما يتعرض هذا النظام إلى التغيير، بالإضافة والدمج والنقصان، بحسب الحاجة، وبما يتطلبه الحال لدى كتابة هذه المقالات، إلا أن النظام العام لهذه السلسلة لا يخرج – على حد توقعاتي – عن هذه العناصر أعلاه.

أسأل الله التوفيق في استكمال هذا المشروع، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يكتب به شيئا من النفع كي يكون إسهاما – ولو بسيطا – في مشروع نهضة الأمة الإسلامية بعد طول ما عانته من السبات المرير.

والله الموفق لكل خير.

الشيخ الدكتور هيثم زماعرة