وهل حقاً يكون الحج في غير مكة؟! نعم، إذا حجَّت قلوبنا وعقولنا وأفكارنا، إذا أطلقنا مشاعرنا وعواطفنا، وطُفنا في الآفاق الرحيبة، ويمَّمْنا شطر تلك الديار، من بقاع الأرض شتى، إلى الحجاز، لنسعى بين جنبات التاريخ من البداية إلى النهاية، ثم نعرج على ما بينهما، ثم نزدلف إلى ما بين أيدينا لعلنا أن ننال المنى، مع الذين ينالون في عرفات ومزدلفة ومنى. للحجاج النصيب الأكبر والأعظم، ولكن لكل منا نصيب إن هو أراد وعَقِلْ، إن سعى وعَمِلْ.

من البداية، حيث الجذور الضاربة في أعماق التاريخ، العائدة إلى الأصول الراسخة، إلى أبِ الأنبياء إبراهيم عليه السلام، مع بداية قصة البيت العتيق، وبناء إبراهيم عليه السلام له، وذكرياته وأهل بيته، بدءاً من هجرته عليه السلام من أرض الرافدين إلى الشام ثم إلى الحجاز، ثم قصة هاجر وزمزم ثم بناء البيت العتيق، لتصل إلى المناسك، مناسك الحج، وإنها الميراث الحق، لندرك ونقدم البرهان من هم الوُرَّاثُ الحقيقيون لإبراهيم عليه السلام.
هذه البداية، سجلتها نهاية سورة الحج، وكانت وصية ربانية لهذه الأمة تدلها على بداية تاريخها وحقيقة ارتباطها: “وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ” (الحج: 78).

كل الأمم تدعي النسبة إلى إبراهيم عليه السلام، ولكن من يملك الدليل؟ أنت أيها المسلم، من خلال إحياء مناسك إبراهيم، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: “قفوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم”؟ والله تعالى يقول: “لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ، وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ” (الحج 67-68). فطالما أن مناسكنا هي مناسك إبراهيم عليه السلام، فنحن أمّته، وأحق الناس به. هذه الجذور تشدنا وتوثق عرانا مع إبراهيم عليه السلام، ثم مع محمد صلى الله عليه وسلم، وتبين لنا أن الذي يسير على قدم محمد صلى الله عليه وسلم، هو الذي يسير على قدم إبراهيم عليه السلام ويرث الملة الحنيفية.

أما النهاية، فهي الحشر الأعظم، وما هذا الحج إلا صورة مصغرة مصورة، مقرِّبة للمشهد العظيم، ألا ترى إلى جموع الحجيج وقد وفدوا من كل فج عميق، من شتى البقاع والأصقاع؟ ألا ترى إلى ازدحامهم وارتفاع أصواتهم بالدعاء والنحيب؟ وكل منهم يرجو الرحمة ويخاف العذاب. فهل أعددت نفسك لذلك اليوم الرهيب؟ تستطيع من موقعك أينما كنت أن تعد نفسك لذلك اليوم، ولك في أولئك أسوة وقدوة.

أما ما بين البداية والنهاية، فأنت ترى الفراق، وكل حاج مفارق.. فهل أعددت نفسك للفراق، للتخلي، للتجرد للحساب؟ ستغدو وحيداً، نائياً عن الأهل والأصحاب والأحباب، بعيداً عن الدار والأهل والوطن، هل أنت على استعداد إن نوديت أن تجيب؟ هل أنت على حذر من أجل قريب؟ هل أنت إذا أجبت، يتملكك الشوق للقاء الحبيب؟ أم أنت ممن يودع بالصراخ والعويل والنحيب؟
ما بين البداية والنهاية، أن هذه الأمة أمة واحدة، مأمورة بالتوحيد والتوحد والوحدة، مأمورة بتوحيد الخالق الذي خلق كل شيء، ومأمورة بالتوحد مع كل شيء في هذا الوجود، للخضوع لقانون وسنن رب العالمين، فترى الحجيج قد أعلنوا خضوعهم للنظام الرباني، وطافوا مع كل ذرات الوجود، حول مركز هذا الوجود، حول البيت العتيق، أول بيت وضع للناس، فتوَحد أنت معهم واخضع لرب العالمين، قبل أن يقوم الناس لرب العالمين، توحد معهم بعواطفك ومشاعرك وجوارحك وانقيادك.

هذا الحج مظهر من مظاهر وحدة هذه الأمة، فأَكِّدْ هذه الوحدة بتحرير ولائك لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، أَكِّدْ هذه الوحدة بالبراءة من الشرك والمشركين، من الظلم والظالمين، من كل زيغ وفساد وطغيان وشيطان رجيم. أكد هذه الوحدة وتذكرها كلما وجهت وجهك تلقاء البيت العتيق، وتذكر أن معك الملايين من أمة سيد الخلق، قد يمَّمُوا وجوههم معك تلقاء قبلة الله التي ارتضاها لسيد المرسلين.

هذه المعاني تعيشها وأنت بعيد عن مكة، مهبط الوحي وقبلة القلوب، لكنك في ذات الوقت قريب من الحجاج تتشبه بهم، وتتعبد الله كما يتعبدون، وتُحرِمُ إحراماً خاصاً بك كما يُحرِمون، فعشر ذي الحجة أقبلت، وأُشرِعَت أبواب الخير فيها، والعمل الصالح فيها يرتقي بك إلى منازل سامية لا تجدها بقية العام، فتعبد لربك، وتذلل واخضع، واخلع عنك ثوب المعصية كما يخلع الحجاج أثوابهم وأدرانهم، واغسلها بماء الطاعة والرحمات، وانحر لربك وقدم القربان، يغفر لك بعدد شعرها ووبرها، لن ينالَ اللهَ منها شيء، ولكن ينالُه التقوى منكم، تلك الحكمة التي من أجلها شرع الدين وشرع الحج، وقطع الحجيج من أجلها آلاف الأميال، ونالوا من المشقة والتعب والنصب ما نالوا، لأجل التقوى، فإذا ما كانوا متقين، نالوا بحق جنات النعيم، حيث هناك ” لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ” (الحجر: 48)، جعلنا الله من أهلها، ورزقنا الحج المبرور الذي يصل بنا إليها، إن كان النداء وصَلَنَا وما لَبَيْنَا، فيارب أنت تعلم أنه ما كان لنا إلا الذي كتبته علينا، فاجعل لنا من مكة والحج نصيباً في العام القادم، ولا تحرمنا، واكتب لنا مع الحجيج ثواب النية وثواب الشوق والحنين لتلك المناسك والديار.
by Sh. Jafar Hawa