من أشهر الأحاديث التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي قد لا تخفى على أحد، ذلك الحديث الذي يأتي فيه سائل يسأل: متى الساعة؟ فيجيبه الرسول عليه السلام: “وما أعددت لها؟” فيقول: ما أعددت لها من كبير صلاة ولا صيام ولا صدقة، إلا أني أحب الله ورسوله، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم تلك الجملة التي تنزل على قلب المرء نزول الغيث على جدب الأرض، وكأنها بشرى بعد يأس وقنوط كئيب، يقول: “فأنت مع من أحببت”. سمع الصحابة رضوان الله عليهم هذه الجملة ومالت قلوبهم لها طرباً وقالوا: ما فرحنا بعد الإسلام بشيء فرحنا بهذه البشارة.

الحبُّ ذلك الشعور الجميل، الذي يختلج قلب المرء ويحرك جوارحه، فيكون طوعاً لمن أحبه، ومَلأَ قلبَه بحبه، وشغلَ لسانه بذكرِه وذكر محاسنه، وافتداه بكل غالٍ عليه.. الحبُّ تلك القوة التي لا تعادلها قوة في عظمتها وفي ما تحدثه من آثارها، الحبُّ ذلك السر الذي ما زال البشر يغوصون فيه ويسبرون غماره لعلهم يعرفون كنهه وشأنه، ولا يجدون له تفسيراً إلا أنه الحبْ!!

الحبُّ هو حبُّ الله لك يوم أن خلقك وكرَّمَك على سائر مخلوقاته، يوم أن جعلك خليفة له في أرضه، وسخر لك كل شيء في أرضه وسمائه، الحبُّ هو أن ترى الدنيا مسرعة تأخذك في طريقها، وقلبك يحن شوقاً، أن تعودَ إلى ربك وتلقاه وهو راضٍ عنك، تجده أعد لك ما هو أقرب للخيال، من نعيم وخلود وسرور وسعادة وهناء، لأنه أحبَكَ، ولأنك أحببته.

الحبُّ هو أن ترى والدَيْك يتقدم السن بهما أمام عينك، وقد امتلأ قلبهما رضى عنك ودعاءً إليك، يذكرانك يوم قدمت مولوداً لهما، أول مشية مشيتها، أول كلمةٍ قلتها، أول مدرسة دخلتها، أول نجاح حققته، أول عمل أنجزته، أول مرة سافرت معهم، وأول مرة فارقتهم.. يوم أن تزوجت، ويوم أن أنجبت زوجتك ذلك الحفيد، الذي غدا الأغلى عندهما، وأحب إلى قلبيهما منك! ولا تنتهي ذكرياتهم وحكاياتهم، ولا يخبو بريق الحب من عيونهما وهما يحدثانك، ولا تخفى دموعهما وطيف الذكرى يداعب خيالهما إلى خيالك.

الحبُّ هو أن ترى أطفالك ينعمون برزق الله الذي جعله بين يديك يوم ترى طفلك الرضيع يغدو شاباً ناجحاً، تجلس بين الصفوف مصفقاً له، تقبله بين عينه وقد غدا أطول منك، يوم ترى طفلتك الوادعة الحنون، التي ملأت بيتك بالضحكات والمرح والفرح، تراها مزينة برمز النقاء والصفاء، بثوب أبيض بهي، تعانق دمعَتَها بدموعِك، ويتلهَف قلبها وتغمُرُها بضلوعِك، تودعها وكل حروف الدنيا لا تقدر وصف شعورك.

الحبُّ هو لما تسمع نداء الله، تدع كل الدنيا خلف ظهرك، وتهرع مسرعاً، وتعلنها في كل الكون مجلجلاً بها: “الله أكبر”، كل الدنيا لا تساوي عندك شيئاً في جنب أمر الله، وكل سعادة الدنيا لا تساوي عندك لذة ركعة بين يديه، ولذة خشوع في مناجاته، ولذة بكاء في التوبة إليه، الحبُّ لما تسلم نفسك إليه، وتبيعها له رخيصة، لتشتري بها سلعته الغالية الثمينة، الحبُّ لما تقرأ في كتابه أنه يحبك ، “يُحِبُهُمْ ويُحِبُونَهُ” (المائدة: 54)، فلا تملك إلا أن تكون عبداً محباً، الحبُّ لما تجده يطلب منك أمراً، تنفذه والرضى لا يغادرك لحظة، فيقبل منك ويشكر لك، “واللهُ شَكُورٌ حَلِيمُ” (التغابن: 17)، ويحبك أكثر وأكثر، فإذا ما أحبك وازداد لك حباً، جعلك عبداً ربانياً، تسير، وتبصر، وتسمع، وتتكلم، بنوره سبحانه، “فإذا أحببتُه كنت سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويده التي يبطِش بها، ورِجلَه التي يمشي بها” (صحيح البخاري).

كل هذا وما سواه من صور الحب، كله يكمن بين حبِكَ لله، وحُبِّ الله لَكَ.. ” قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ” (آل عمران: 31)، إن كنت محباً صادقاً فاتبع، فآية الحُبِّ وبُرهانُه هو الاتباع، جعل الله لك نبياً هو صورة ماثلة عن حبه لعباده، جعله رحمة، وأنزله بشيراً ونذيراً لكل خلقه، إن كنت محباً، عليك بما جاء به، وما خاب من أحب الله، فجائزته ثمرة الحُبِّ التي هي أقصى المُنى، وغاية المطلوب: “يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ”.

شيخ جعفر حوى

Sh Jafar Hawa