أيام قليلة تفصلنا عن بداية فصل لطالما انتظرته الأرض العطشى، ولطالما استبشر العباد بما فيه من البركة والخير، والرحمة والرزق المبارك، فصل بارد، البرد فيه تهابه النفوس وترتجف له الأبدان، ربما ينزعج البعض منه، ويتمنون ألا يأتي وألا يكون، لكن للمؤمن فيه حال مختلف، يعلم أن هذا الفصل فصل العطاء، يوم تجود السماء بأمر الله فينزل المطر يغسل جدب الأرض ويُذهب أدرانها، ويروي قلوب العالمين بماء عذب زلال، وينبت الزرع والأثمار، وتطرب لصوته الغصون والأشجار، “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ۗ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ” (الحج: 63)، لذلك فإن المؤمن يحب هذا الفصل، لأنه من عند الله، ولأنه يحمل الخير لعباد الله، فلا اعتراض ولا ضجر، ولا بؤس ولا كدر.

جاء في الحديث الشريف الذي يُستأنس بمعناه: “الشتاء ربيع المؤمن؛ قصُرَ نهاره فصام، وطال ليله فقام” (سنن البيهقي)، وهذ ما يحدث حقاً، فمع الانقلاب الشتوي وتغير الليل والنهار: “يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ” (النور: 44)، يقصر النهار، وتزول حرارة الأجواء، بل يكون الجو بارداً، فإن صام المرء كان هذا عوناً له وأسهل مما لو صام في الصيف، وكذلك طال الليل فكان هذا فرصة له ليقوم من الليل ما شاء الله له أن يقوم، دون أن يؤثر ذلك على مجريات حياته، بل فيه كل الخير والنفع، وهو الشرف المروم، كما تربى الصحابة الأوائل وقال غير واحد منهم: “شرف المؤمن قيامه بالليل”، وحين يعمر المؤمن هذا الفصل بهذه الطاعات فإنه يجعل من برد الشتاء دفئاً، ومن تكدر أجوائه صفاءً ونقاءً، لأن له فيه حالاً مع الله، يعيشها آنساً مستأنساً، طامعاً بما أعده الله له إن هو أقبل وأطاع، وجاء بإسراع.

ثم إن لنا مع مقدم هذا الشتاء ربيعاً آخر، ربيعاً أنور، ربيعاً أزهر، ربيع المحبين، وربيع الذين هامت نفوسهم، وتاقت أرواحهم، شوقاً وحباً للحبيب الذي لا يشبهه في حسنه حبيب، ولا يدانيه في قربه قريب، المصطفى المجتبى صلى الله عليه وسلم، تأتينا ذكرى مولده مع مقدم الشتاء، فنعيش لحظات العطاء الرباني، ونعيش هذه الذكرى العطرة، فيرتقي القلب، وتزدهي النفوس، وتبتهج الأرواح.. فميلاده للحياة حياة، وللأرض سقيا وعطاء، وللمؤمنين سلوى ورجاء، سلوى في كل ما يتعرضون له من الأذى، ورجاء بأن يسيروا على نهجه، ويكونون أهلاً لشفاعته ومصاحبته.

روِّضِ النفس من البداية، حتى يكون هذا الشتاء ربيعاً بحق، وتكون من أهل الطاعة والإقبال، ممن يقومون الليل ويصومون النهار، وليكن لك حظك الوافر من ذكرى المصطفى صلى الله عليه وسلم، فتتبع وتبرهن حبك وامتنانك، فآية الحب الاتباع، ومنها الارتقاء والانتفاع، وقد قيل: إن من يهوى أطاع، فأطع واتبع، وحُزِ الخير وانتفع، ولله المرجع وعنده الحساب، يجازي بالحسنة حسنات، وبالسيئة سيئة، بل قل: عفو واسع، ومغفرة تتخطى التوقعات.

by Sh Jafar Hawa