عنصري قاتل! هكذا يصف الناس ذلك الشرطي الذي كان سبباً في مقتل “جورج فلويد” الأمريكي من أصل إفريقي، ولا أقول الأسود؛ إذا أنها صفة تصلح لكل شيء إلا للبشر، متى كان البشر يصنفون وِفقَ ألوانهم؟ من الذي ابتدع هذه البدعة المقيتة؟ ألا يكفي أن يكون أحدنا بشرياً ثم يُلحق بهذا أي وصف يناسبه ويصف شخصيته؟! على مرّ التاريخ البشري منذ آلاف السنين، من لدن ابنيْ آدم الّذين اختلفا وقتل أحدهما الآخر، حتى يومنا هذا، أما كان لهذه النظرة المستعلية، الشيطانية، النّتِنَةِ أن تنتهي؟.

“يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ”، بهذه الكلمات الصريحة، خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذرّ رضي الله عنه، أحد أصحابه الكرام بعد أن عيّرَ رجلاً وسابَّه في أمه، ثم هذَّبه عليه الصلاة والسلام وأدَّبه في درس بليغ خالد: “إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ”، حتى مشى أبو ذر رضي الله عنه يوماً وعليه حلة جميلة من الثياب وعلى خادمه مثلها، امتثالاً لأمر المعلم المؤدِب عليه السلام. العنصري جاهل، ولو نال أعلى الدرجات العلمية، وألّف آلاف الأوراق البحثية… فالذي يرى نفسه أفضل من الآخرين، ويرى عنصره أسمى من عناصرهم، ولونه أبهى من ألوانهم، جاهل جاهل! كيف يحاسب الناس فيما لا سلطة لهم عليه؟ هل ملك الاختيار لنفسه ليكون من جنس كذا أو لون كذا؟ هل اختار بيئته وأبويه وجنسيته ليتباهى على خلق الله! أي جهل أقذع من هذا وأقبح، وأي تعجرف وأي تبجحْ!.

العدل أن ننظر للناس على أنهم أفعال وأقوال، على أنهم نجاحات وإنجازات، أو فشل وإخفاقات، لا أنهم ألوان وجنسيات، الله بجلال اسمه العدل، يحاكمنا على أفعالنا، وكلنا في خلقه سواء: “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ” (التين: ٤)، إلى جنب حديث رسولنا الكريم: “إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلاَ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ”. أنت أيها الإنسان فكرة، تتربع على قلبك، وتظهر آثارها على جوارحك، وينطلق بها لسانك، فلا تلوثنَّها بخبَث القول، وسوء الفعل، وقبح التفكير.

“دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ”، هكذا أمر عليه الصلاة والسلام في موقف آخر مجتمع المدينة الفتيّ، الذي كانت المؤاخاة التي أرساها عليه السلام قد أذابت الفروقات بينهم، ما بين مهاجرين وأنصار، وما بين أوس وخزرج، أو غير ذلك من تصنيفات القبائل التي جاءت مهاجرة من مكة… لكن لمَّا غفلت قلوبهم لحظة، وتحرك الشيطان ينفخ الشر فيما بينهم، ذكرهم رسول الله بفضل الله عليهم، لما أنعم الله عليهم بالإيمان، وحررهم من كل التصنيفات التي إذا ما غزَتْ مجتمعاً، ما كانت إلا سبباً في التخلف والتشرذم والتأخر والطغيان، فَهُم بالإسلام ارتقوْا، وبظلال عدله عاشوا، وبسكينة مبادئه استقاموا؛ فسيدنا الحبشي بلال رضي الله عنه سيدٌ فيه، وإن كان عبداً حبشياً في يوم من أيام الزمان، لكنه في زمن الإسلام يعلو فوق الكعبة مؤذناً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكبار الصحابة وسادات القوم يجيبون نداءه للصلاة. وسيدنا الفارسي سلمان، وإن تأخر في إسلامه، يكون مطاعاً صاحب مشورة ويأخذ النبي عليه الصلاة والسلام بقوله ويحفر الخندق، والجيش كله سمعٌ وطاعة. لهذا سادوا وتسيَّدوا، وملكوا هذا الدنيا قروناً، وكم لها من الحنين فينا!.

بعد هذا البريق العذب من تاريخنا المشرق، في كيفية جلب الإسلام للعدل ليملأ حياة الناس، بكل ما فيها من سلام ونضارة، وأمن وحضارة، وكيف أن الميزان الحقيقي الذي ينبغي أن يصنف عليه البشر لا يكون إلا في علاقتهم مع خالقهم، فأكرمهم من ملأ التقوى قلبَه: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” (الحجرات: ١٣). بعد هذا لا يسعني القول إلا أن البشر صنفان: إنسان، وعنصري! لأن العنصري انسلخ من إنسانيته في اللحظة التي ظن فيها أنه خير من الآخرين، وغدا في ذلك أقرب للشيطان، الذي قال يوماً: “أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ” (الأعراف: ١٢)، بل إن العنصري تعدى شيطانية الشيطان، إذا أنه طين، ولا فرق بينه وبين الآخرين، إلا سموم ملكت عليه قلبه وعطلت عليه عقله، فهو طين ولو ظن أنه من طين مقدس!.

الشيخ جعفر حوى