ساعات قليلة ويغادرنا شهر رمضان المبارك، وتبتهج المساجد بإعلان تكبيرات العيد، تحقيقاً لمراد الله: “وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ” (البقرة: ١٨٥)، على ما هداكم من الطاعات والقربات خلال هذا الشهر الكريم.

سأعود بكم إلى آية الصيام المشهورة، التي يعرفها كل مسلم، بل ربما يحفظها الكثيرون: “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” (البقرة: ١٨٥)، كلنا نعلم أن أول هذه الآية تحدث عن فرضية الصيام: “فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ”، لكن ماذا عن آخر الآية؟ جاء يتحدث عن اللحظات التي نحياها الآن كما أرادها الله، في ختام هذا الشهر الكريم، وملخص ذلك في ثلاثة أمور لا بد أن نتدبر فيها وأن نعيها جيداً:

 

  • ماذا يريد بنا سبحانه؟ “يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ”. لو أتيتكم في أول رمضان أحدثكم عن هذه الآية لقلتم أي يُسر هذا في صيام ثلاثين يوماً من الفجر إلى المغرب، عطش وتعب ومشقة… لكن اليوم كلنا نقول مضى رمضان بحمد لله سريعاً وانتهى معه ما كنّا نحس من تعب ومشقة، وهنا اقتبس قولاً ينسب للإمام ابن الجوزي: “إن مشقة الطاعة تذهب ويبقى ثوابها، ولذة المعصية تذهب ويبقى عذابها”، يعلق الشيخ الطنطاوي على هذا القول يقول: قرأت مئات الآلاف من الصفحات وألفت آلافاً، ومضت سبعون سنة من عمري قارئاً ومؤلفاً، ما وجدت حكمة أبلغ من هذه. فاليُسر هو في اتباعك أمر الله في الدنيا، ورمضان دورة مؤقتة، تزول الموانع فتعود لطعامك وشرابك وعلاقتك مع زوجتك، وتشعر بالمنة لله بما وهبك، وفي الآخرة حقيقة اليُسر في الجنة: “فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى” (الليل: ٥-٧).
  • ثم ماذا يريد منا الله؟ يريد منا أن نعظمه ونكبره ونمجده؛ “وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ”، أليس هو الذي أذن لك بالطاعة وهداك لها ومد في عمرك لتحيا رمضان آخر؟ وأنت استجبت لأمره سبحانه وكان هو الأولوية الأولى لك في رمضان، فامتنعت عما نهاك عنه؟ والآن بعد رمضان، في أول لحظات شوال وأنت تحتفل بالعيد تكَبِّر الله، لتعلن أن الله ما زال أولوية كبرى في حياتك، وتذكر نفسك بهذه الحقيقة لتبقى قريباً منه متبعاً أمره مجتنباً نهيه سبحانه، لذلك كان التكبير سمت العيد، لتتذكر أين مقام الله في حياتك.
  • أخيراً “وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، تشكرون على ما أعطاكم، وقد أعطاكم الكثير، أتى بكم إلى الحياة، جعلكم مسلمين، أهداكم رمضان، أذن لكم بطاعته فيه، وختم لكم بأن تحيوا العيد، وهو يوم الجائزة لكل صائم، أفلا تشكرون؟! بل نشكر ليستمر عطاؤه لنا، ونعاهد على مزيد من العمل والطاعة ليستمر اليُسر في حياتنا وآخرتنا، وبذلك يبقى الله أكبر في حياتنا من كل شيء، يبقى الله عنوان حياتنا الذي فيه نبتدئ وعنده ننتهي، وحقيقة الشكر لا تكون إلا بالمثابرة على مزيد من العمل الصالح، نحن نحتاج رمضان ليس فقط لأجل رمضان، نريده أن يفيض بالخير على عامنا كله حتى رمضان اللاحق، والشاكر الحق من حمل من صالح أعماله في رمضان وثبت عليها فيما بعد رمضان، وفي هذه حقيقة الشكر وفيه أيضاً علامة القبول، ومن شكر ونال القبول حُق له الفرح، بل فرحته هي الفرحة الحق: “قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ” (يونس: ٥٨).

الشيخ جعفر حوى