يكثر الحديث في هذه الأيام عن الوباء، بالأخص عن وباء كورونا، بل لا يكاد الحديث يكون عن أي شيء إلا عن هذا المرض وتقدمه وكم حصد من الأرواح وكم تتكبد بلدان العالم من خسائر في سبيل حصره والتقليل من انتشاره ومحاربته… وأجدني اليوم افعل كما الآخرون؛ أتحدث في مقالي هذا عن كورونا، فهذا حديث الناس وحديث الساعة، وأنا من الناس وأعيش داخل الزمان لا خارجه!.

لقد تحدثت عن كورونا بالفعل في مقال سابق، وفي هذا المقال أود بشدة الحديث عن أمر في غاية الأهمية، يصنف لدى الكثيرين في هذه الأيام على أنه مرض، وإن كان كورونا قد يعالج ببعض الأدوية، أو ربما تصل بإذن الله قريباً نتائج الكشف والبحث إلى لقاح يقلل من قدرته على الفتك في جهاز الانسان التنفسي، إن كان كورونا كذلك، فإن المرض الذي سأحدثكم عنه لا لقاح له ولا علاج، لأنه من فعل الإنسان نفسه، يطلقه هو وهو يمنعه، يزيد من حدته ويردعه، إن أراد ذلك، أو كانت لديه القوة والشجاعة لذلك، والشجاعة نصف الدواء… ألا وهو القلق. القلق الذي تملك حياة الكثيرين وقلبها مظلمة قاتمة بعدما كانت تزدان بشتى ألوان النور والبهجة، القلق الذي يسبب بالفعل أمراضاً كثيرة في جسد الإنسان، ليس أقلها قرحات المعدة أو أمراض القلب.

الفارق بين الخوف والقلق، أن الخوف صفة بشرية لدى الإنسان، تُحركه للقيام بفعل ما رداً على ما يخافه، وفي كثير من الأحيان صفة محمودة؛ فالذي يخاف البرد تجده يرتدى معطفاً مثلاً، والطفل الذي يخاف البيئة الجديدة تجده يتشبث بأمه حتى يأنس ويشعر بالأمان ويبتعد قليلاً عنها لاحقاً، فالخوف إذن أمر مطلوب، وعدم وجود الخوف لدى الإنسان قد يوقعه في التهور، بينما الإقدام والشجاعة هي مرحلة متقدمة لإنسان يخاف أصلاً لكنه يدرس كل الاحتمالات أمامه ومستعد لها ومتحمل لعواقبها فتراه مقدماً غير آبه لما يلقاه لأنه متوقع له وضمن حساباته… أما القلق فهو في أصله خوف، خوف من مجهول، من مستقبل، من نتيجة ما، لكنه خوف يُعطل صاحبه عن التفكير بثباتٍ ورُوِيَّة، فيتوقف في منتصف الطريق تاركاً نفسه تتخبطها الأفكار المتشائمة وتتلقفها الأعاصير الهائمة.

هذه ليست إلا نبذة سريعة عن كُنْهِ هذا المرض، وليس بالإمكان الإحاطة بكله في مقال قصير كهذا، وإنني أحاول هنا جاهداً أن أقدم بعض الأساليب التي تعين في سيطرة الإنسان على قلقه، حتى يتغلب على خوفه المذموم، وينطلق في حياته متفائلاً متقد الحماسة ممتلئاً بالتوكل واليقين.

حتى تتغلب على القلق، عليك أن تغلق الأبواب على الماضي ودون المستقبل، وأن تعيش في حدود يومك! نعم، أن تعيش يومك، ويومك فقط، لا تفكر في الغد وبماذا قد يحمله لك وتسرف طاقتك في مجهول باهت غير واضح المعالم، عندها تحفظ طاقتك لأجل اليوم وحده، والحقيقة أنك إذا أردت الاستعداد للغد لا بد عليك من الإعداد اليوم، لذلك قم بالتركيز على حدود يومك فقط.

من الخطوات الناجعة في مواجهة القلق أيضاً، أن تهيئ نفسك لأسوأ الاحتمالات، تجلس إلى نفسك وتفكر ما الذي يثير قلقك، وتتوقع الأسوأ وتتجهز لمواجهته… ستجد أن الأمر يغدو مقبولاً وأن نفسك بدأت تتعافى من هذا القلق بل بدأت تسبقك بخطوات في شجاعتها وإقدامها لمواجهة أسوأ هذه الاحتمالات.

لا تجلس لفراغك، ولا تسمح لنفسك أن تكون فارغاً فيأتي القلق عليك ويشغل حيزاً من حياتك، وفي هذا علمنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: “اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ” (المستدرك على الصحيحين للحاكم). يُذكر أن تشرشل رئيس الوزراء البريطاني قال: “لا وقت للقلق!”، وعندما سُئل إن كان قلقاً من العبء الملقى على كاهله قال: “إني مشغول جداً؛ إذ لا وقت لي للقلق”، وهذه وصفة سحرية لكل قَلِقْ: ابقَ منشغلاً ما استطعت.

لا بد من أن تكون منطقياً حتى تهزم القلق؛ فمثلاً في حالة مرض كورونا، والقلق يساور الكثيرين خوف العدوى به، الرجوع إلى الإحصائيات العامة ومعرفة من يصاب به بشكل أكبر ودرجة الخطورة لكل فئة عمرية من الناس والإرشادات العامة لتجنب العدوى، كلها نتائج عملية علمية دقيقة تخفف من القلق غير المبرر، ثم إذا وقع وحصلت العدوى لا بد من الرضى بذلك، وتدريب النفس على تقبل الأمر الحاصل، ومحاولة الخروج بأقل قدر من الخسائر، لا تخسر رباطة جأشك حينها، ستحتاجها من أجل سلامة جهازك المناعي بكل تأكيد.

ذكر نفسك دائماً بأن دوام الحال من المحال، والله يغير ولا يتغير، ويبدل ولا يتبدل، لذلك تعلق بالثابت الوحيد في هذا الكون، الحي القيوم سبحانه… واستغرق في التفكير في قادم الأيام وما تحمله من جمال وسعادة وأُنس واطمئنان، كما قال الشاعر الإنجليزي John Milton: في وُسْعِ العقل أن يخلق وهو في مكانه مقيم، جحيماً من الجنة، أو نعيماً من الجحيم! فأنت أيها الإنسان أفكار، وما تفكر به حقاً يغدو واقعاً تعيشه، وهنا تذكر من يقبعون خلف القضبان وقد سلبت حرياتهم ظلماً وعدواناً، لكن بعضهم حقاً يعيش في نعيم أكبر من الأحرار، عقولهم تحررت وإن سُجنت أجسادهم، فقدر نعمة الله عليك، ولا تخسرها من أجل أفكار قاتمة زائفة، وبدلاً من أن تحصي كم لديك من المتاعب والمصاعب، احصِ كم لديك من النِعم والمواهب، التي وهبك الله إياها، حينها تعلم حقاً كم أنك غارق في النعيم، على الأقل لديك عينان تقرأ بهما هذا المقال، في حين غيرك لا، ولديك عقل تترجم فيه هذه الكلمات فتفهمها في حين غيرك لا.

من أجمل لحظات الدنيا عندما ترسم البسمة على وجوه الآخرين، والسعادة الحقة تكون بالعطاء لا بالأخذ، لذلك إن أردت أن تنتصر على القلق وتشعر بالسعادة، قدم شيئاً لمن حولك، اصطنع معهم البسمة في البداية ستجدك أكثر المبتسمين في النهاية، عندما تنسى نفسك وتصب اهتمامك على الآخرين وعلى ما يحتاجون، ستشعر بسعادة غامرة، وهذا هو خُلق الكرم، الذي وصف الله به نفسه، ووصف به رسوله الكريم عليه السلام، فخذ منه نصيبك، ستكون من السعداء.

في الختام، لأنك مسلم مؤمن بالله، فأنت تؤمن أن كل ما في هذا الكون مُقدر بأمر الله، فلمَ القلق إذن؟ إذا كنت تؤمن أن كل شيء بأمر الله، فما القلق إلا شيء، فعُد لرب الأشياء وتوجه إليه والجأ إليه أن يصرف عنك ما نزل بك من القلق، فتجد عندها الأمان منه سبحانه، أليس الله هو المؤمن؟ يؤمنك ويملأ قلبك إيماناً به وتوكلاً عليه، ويلهمك أن تحيا وصية رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في تقبل قدر الله: “فتعلم أن مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَك” (سنن أبي داوود). الإيمان بالله قوة، والقلق والخوف ضعف، فكن دائم الصلة بالله قوياً به، لا تقدر قوة في الكون أن تزعزعك أو أن تهزك، أنت بالله قوي فلا تضعف لشيطانك، لا تكن صيداً سهلاً لأفكار عابرة، تغيب مع غياب الشمس، مهما طال الليل فلا بد ينبلج الصباح، فاعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، وابق دائم الشغل بالله ولله، عندها لن يجد القلق سبيلاً إليك بحول الله.

بقي أن أنبه إلى أنني كتبت هذا المقال مستنداً في كثير من أفكاره إلى كتاب مفيد ماتع قرأته منذ زمن، وأنصحكم بقراءته حتى تفيدوا منه، كتاب بالإنجليزية اسمه Stop Warring and Start Living للكاتب الأمريكي المشهور Dale Carnegie والذي تُرجم لعدة لغات منها العربية وقد عنونه المترجم العربي ب: دَع القلق وابدأ بالحياة. والشيء بالشيء يُذكر، القراءة تطرد القلق! لكن لا بد أن تتخير أطايب الكتب وأجملها، لا أن تقرأ ما يزيد من قلقك ويثير من مخاوفك، وبين أيدينا نحن المسلمين كتاب نفيس ثمين، لا يدانيه في جودته وجماله شيء، كتاب الله العظيم، القرآن الكريم، ليكن لك منه أوفر النصيب، تنال الأجر بتلاوته، وتحظى بشفاء النفس والقلب من فيض نفحاته ونور إشاراته وسلاسة عباراته، ليكن لك فيه وِرْدٌ يومي ترد فيه على الله، فيروي ظمأ روحك ويطفئ عطشها، فترجع منه بميلاد جديد، وصفحة في الحياة تنفتح أمام ناظرك، وتشعل الحماسة في خافقك، فتعيش هانئَ النفس مطمئنَّ الفؤاد.

الشيخ جعفر حوى