الكمال لله، والكامل الحق هو الله، ولا كامل إلا من كمله الله من الأنبياء والصالحين وبعض النساء الصالحات، كما صح عن سيدنا محمد ﷺ: عَنْ أَبِي مُوسَى الأشعري – رضي الله عنه – قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:‏ “‏كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ”‏‏ (صحيح البخاري)؛ فأكمل الرجال محمدٌ ﷺ، سيد الخلق وإمام الأنبياء والمرسلين، وأكمل النساء زوجته عائشة أم المؤمنين – رضي الله عنها – كما يُفهم من ظاهر الحديث.

الناس تحب الكمال بفطرتها، بل إن السعي لذلك أمر محبب محبذ إن تم من طرقه الشرعية السليمة، من غير إضرار بالأخرين وتسلق على أكتافهم، أو تعدٍ عليهم وسلب لحقوقهم. لكنك وإن لم تستطع وصولاً إلى الكمال، فلا أقل من أن تكون على الطريق نحوه، ساعياً لإصلاح نفسك وتزكيتها ما استطعت، راقياً سلم الكمال في الآخرة، وراغباً أن تعيش حياة كريمة مطمئنة، متنعماً بما أكرمك به الله في الدنيا.

وأفضل الكمال كمال من كمله الله، وآتاه جوامع الكلم، وأفاض على العالمين كلهم من جماله وكماله، حتى فاقت الآفاق سيرته، وألهمت العدو قبل الصديق مسيرته، وسلبت القلوب والألباب طريقته، عليه صلاة الله وسلامه فهو خليله وخيرته. من حديث من أحاديثه العظام، نستلهم في هذا المقال جوانب من الكمال الذي دعا إليه وتمثله مثالاً حيا في حياته.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه -، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ‏”‏مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلاَءِ الْكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ”‏، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قُلْتُ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّ خَمْسًا وَقَالَ:‏ “‏اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلاَ تُكْثِرِ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ‏”‏‏ (سنن الترمذي). وها هنا تفصيل هذا الحديث المبارك:

  • اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ:

لم يذكر ﷺ كثير صلاة أو صيام، أو متميزاً من فعل يقام، بل أشار إلى أمر قد يغفل عنه الناس، وهو التسريب الذي قد يطرأ على صالح أعمالهم، يكثرون من العمل الصالح وما أوقفوا نزيف حسناتهم بما يقترفون من سيئات، ربما تكون قليل العمل الصالح، لكن بامتناعك عن السيئات تحفظ حسناتك ويضاعفها الله لك فيصلح حالك. لتصلَ للكمال في عبادتك، خل بينك وبين المعاصي حاجزاً ووِقاءً.

  • وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاس:

صدق من قال: من رضي عاش، وقد صحَّ بالتجربة والبرهان أن الرضا هو السعادة وأن السعادة هي الرضا، صنوان لا ينفكان، متعلقان متلازمان، فترضى عندما تحصي ما لديك لا ما ينقصك، عندما تقدر قيمة ما آتاك الله لا ما جعله نصيباً لغيرك، وفي هذا حديث عميق المعنى عظيم المبنى، مروي عن أَبِي هُرَيْرَةَ ‏- رضى الله عنه ‏- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ: “انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ” (صحيح مسلم).

ومما فهمه العالمون العاملون من هذا الحديث قول بعضهم: في أمر الدنيا أنظر إلى من هو أدنى منك؛ فتعظم نعمة الله لديك، وفي أمر الآخرة أنظر إلى من هو أعلى منك؛ فيصغر عملك أمام عينيك. حتى تطلب الكمال في الغنى، عليك أن تعلم أن الغنى الحق غنى القلب، وتكون راضياً.

  • وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا:

الجار وما أدراك ما الجار! ومن آيات الله في كتابه وأحاديث الرسول ﷺ يكاد كل من تلقاه من الناس في حياتك جاراً لك! وإن شئت فاقرأ: “وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً” (النساء: ٣٦)، أما ظاهر الآية: فالجار ذي القربى: الجار الذي تجمعك به صلة القرابة، والجار الجنب: البعيد الأجنبي، والصاحب بالجنب: هو الرفيق في السفر، وقد قيل الزوجة، وابن السبيل: الضيف. أما باطنها فيما ذهب إليه الإمام التستري في تفسيره: فالجار ذو القربى هو القلب، والجار الجنب هو الطبيعة، والصاحب بالجنب هو العقل المقتدي بالشريعة، وابن السبيل هو الجوارح المطيعة لله، هذا باطن الآية.

ومن تعاريف المؤمن الكثيرة أُعجَبُ كثيراً بتعريف رسول الله ﷺ: “وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ” (النسائي)، وانتبه لقوله الناس. فإذا أردت الكمال في إيمانك، فانظر إلى تعاملاتك فيمن تلقى من خواص الناس، وخواص خواصهم من المقربين نسباً أو زمناً أو جيرة.

  • وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا:

المسلم الحق ليس الذي يصلي ويصوم ويزكي ويحج فقط… هذه لنفسك، لكن إسلامك الحق ما عاد نفعاً وخيراً على العالمين، وفي هذا السياق من الحديث السابق ذكره كان قوله ﷺ: “الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ”، فإذا أردت الكمال بإسلامك، قيّم ذلك من خلال تعاملاتك مع عوام الناس، الناس كلهم، من عرفت ومن لم تعرف، من قابلت ومن لم تقابل، تحمل في جنبيك خيراً للبشرية جمعاء، تحمل نفحة من خلق الأنبياء في حسرتهم على الناس وشفقتهم عليهم ورغبة في نجاتهم في دنياهم وفي آخرتهم.

  • وَلاَ تُكْثِرِ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ:

وفي هذه نصيحة نبوية ثمينة لعيش الجدية في هذه الحياة، وعدم اللهو واللعب كل أوقاتها، ففي هذا خراب القلب وانكباب النفس على شهوات الدنيا، وفيه قبلاً كسل المرء عن أن يكون كاملاً في أحواله سالفة الذكر، لا بأس ببعض المرح والفرح والاستجمام فيما أحل الله، لكن الغلط واللغط في أن توقَفَ الحياة لأجل هذا بلا غاية ولا هدف؛ فالقلب هو بداية المشوار نحو الكمال على منهاج النبوة، ولأجل تزكيته وسلامته كانت هذه الوصايا النبوية. مفتاحك للكمال هو القلب، تزكيته هي طريقك، لذلك ذكرها الرسول أخيراً، حتى تبدأ التطبيق من هاهنا، فهي الختام ومنها المبتدأ.

لشيخ جعفر حوى