لعل من أخطر التحديات التي يواجهها المجتمع المسلم في الغرب: تحديد الموقف من كيفية التعامل مع المجتمعات الغربية، ومدى الانخراط في نمط الحياة الغربي، دون فقدان للبوصلة الفكرية والأخلاقية، وتحقيق التعايش مع المجتمع الأمريكي الغربي بشكل سليم من جهة، مع الحفاظ على الموروث الثقافي، والهوية الدينية من جهة أخرى.

إن المطالع لأوضاع المسلمين في أمريكا لا يلبث أن يلاحظ وجود توجهين متناقضين للتعامل مع هذه القضية، فبينما يلجأ البعض – لأسباب فكرية أو بحكم طبيعة النشأة الاجتماعية والهوية الثقافية – إلى الانعزال عن المجتمع الأمريكي، وتحديد العلاقة معه على أساس العمل وتحقيق الأرباح المادية، دون الانخراط في المناشط الاجتماعية والسياسية والفكرية لهذه المجتمعات. وهذا التوجه ملاحظ بشكل واضح لدى جيل المهاجرين إلى أمريكا، الذين ولدوا ونشؤوا في العالم العربي والإسلامي، واكتسبوا هوية بلدانهم الأصلية، فكان من الصعب عليهم تغييرها بشكل كامل.

ومن هنا، لا نستغرب أن يقضي البعض عشرات السنين في الولايات المتحدة، يعمل فيها، ويحمل جنسيتها، ويتمتع بكامل حقوق المواطنة، ومع ذلك فإن مشاركته السياسية والاجتماعية تكاد تكون معدومة، فلم يشارك في انتخابات محلية أو وطنية، ولا يأبه لمعظم الأنشطة الاجتماعية التي تدور حوله، ولم ينخرط في عمل تطوعي، ملتقى اجتماعي خارج حدود دائرته الضيقة، فيبقى منعزلا عن المجتمع، جاهلا بما يدور حوله، منفعلا – لا فاعلا – في كل ما يتم اتخاذه من القرارات، وتشريعه من الأنظمة والقوانين، التي قد يكون بعضها مصيريا بالنسبة لشخصه وأسرته ومجتمعه المسلم.

وفي المقابل نجد أن بعض الوافدين من المهاجرين إلى الولايات المتحدة، وأبناء المهاجرين من الأجيال الجديدة التي ولدت ونشأت في هذه البلاد، قد انخرطوا بشكل كامل في نمط الحياة الغربي، إلى حد الذوبان، بحيث لم يعد بالإمكان تمييزهم عن سائر أفراد المجتمع الأمريكي إلا بالاسم أحيانا، أو السحنة الشرقية التي اكسبتهم إياها الجينات الوراثية فلا قدرة لهم على تغييرها، أو ببقية بسيطة من الموروثات الثقافية التي لم تختف ضمن عملية طمس أو انطماس هويتهم بشكل شبه كلي.

ومن هنا تستغرب أحيانا أن تجد لدى أبناء وبنات المجتمع المسلم ممارسات هي أبعد ما تكون عن الهوية الإسلامية، والثقافة الشرقية التي نشوؤا عليها أو نشأ عليها آباؤهم وأجدادهم.

والذي ينبغي أن نسعى إليه، كأسر ومجتمعات مسلمة في الغرب: أن نحقق اندماجا إيجابيا في المجتمع الأمريكي العام، وتكون لنا مشاركة حقيقية في مختلف مناشط الحياة الأمريكية، وعلى مستوى جميع أصعدتها المتنوعة، وفي نفس الوقت نحافظ على الهوية التي تميز الفرد المسلم من الذوبان، والاختفاء ضمن مكونات المجتمع الأخرى.

وتحقيق ذلك يحتاج إلى تضافر العديد من الجهود، على مستوى، الفرد والأسرة والمجتمع، ويتطلب تدخل العديد من المؤسسات العاملة ضمن المجتمع المسلم، للوصول إلى تحقيق هذه المعادلة، التي من خلالها نحقق النموذج الحقيقي للمسلم الأمريكي، الذي يتفاعل مع المجتمع، ويصبح جزءا لا يتجزأ من هذا المجتمع، لكنه في نفس الوقت متميز بالقيم والأخلاق والمبادئ السامية، التي تجمع بين فضائل كل من الثقافتين: الشرقية والغربية.

وهنالك عدة وسائل تساعد على تحقيق النجاح في مقاربة هذه المتوازنة، سأتطرق إليها في مقالات قادمة إن شاء الله.

والله ولي التوفيق.

الشيخ الدكتور هيثم زماعرة