لا غرابة ولا عجب في أن ترى والداً يريد لولده أن يكون مميزاً ذا مستقبل مشرق وصاحب مكانة مرموقة عندما يكبر، بل في الحقيقة هذا واجب على الوالد فعله والعمل لأجل تحقيقه، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، لآباء رسموا وخططوا وبذلوا لأن يكون أبناؤهم ذا شأن كبير في وظيفة كالطب والهندسة مثلاً، أو في تجارة وأعمال كبيرة مثلاً آخر، إلى غير ذلك من الطموحات الدنيوية التي يرغب بها كثيرون.

لكن قلة قليلة من الآباء من يسعى حقاً لأن يتبوأ أبناؤهم مكانة مرموقة عند الله، ومقاماً عالياً في دين الله، فهو يحزن إذا تأخر ولده عن المراتب الأولى في الدراسة، ولا يحزن إذا تأخر ولده عن الصفوف الأولى في الصلاة، أو عن اللحاق بتكبيرة الإحرام، والبعض لا يهمه أصلى الولد أم لا، طالما أن الهدف الدنيوي المنشود يتحقق، وطالما أن الولد لا يفوته في تحقيق الحلم شيء.

نحن لا نطلب شيئاً صعباً، وليست الغاية تعقيد الأبناء كما يظن البعض، بل على العكس تماماً، فكلنا نعلم أن غذاء العقل العلم، والله أراد منا أن نتعلم، ورسوله صلى الله عليه وسلم حث على العلم وبذل لأجله الكثير، ولا ننسى غزوة بدر وكيف افتدى بعض الأسرى أنفسهم بتعليم أبناء المسلمين، وكتاب الله يحوي مئات الآيات التي تتحدث عن القوم الذين يعلمون ويتعلمون، “قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ” (الزمر: 9)، وكذلك: “يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ” (المجادلة: 11)، فالمطلوب من أبنائنا أن يتعلموا ويدرسوا ويرتقوا أعلى الدرجات العلمية، ومطلوب منهم أيضاً أن يهذبوا علومهم بالعلاقة مع ربهم، مطلوب منهم كما تتغذى عقولهم بالعلم، أن تتغذى أرواحهم بالقرب من الله، والخشية منه، “إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ” (فاطر: 28).

إذا ما تربى الأبناء منذ صغرهم على العلاقة مع الله، وعلى حب صلاة الجماعة، والالتقاء مع عباد الله في بيوت الله، أنّى لهم أن يعرفوا لذة ذلك في كبرهم، وكم وكم تمر علينا من النماذج الحية لرجال كبروا وأفنوا حياتهم في لحاق الدنيا ونالوا منها ما نالوا، لكنهم كبروا ويقسمون أنهم ما وجدوا لذة الدنيا إلا في رحاب الله وفي مناجاته والصلاة بين يديه، ويتحسر الكثيرون منهم ويقولون: رحم الله آباءنا ما أمسكوا أيدينا مرة نحو المسجد، وما أمرونا مرة واحدة بالصلاة!!.

علموا أولادكم الصلاة، خذوا بأيديهم إلى طاعة الله، وعلموهم أن البركة في طاعة الله، ومن أطاع الله في دنياه وخاف مقامه واتقاه، سلمه الله في الدنيا وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن لم يفعل، نزع الله البركة من حياته، وأشغله في نفسه، استثمروا في أولادكم وهم صغار، حتى يألفوا طريق الله، ويشتد عود الواحد منهم وهو عارف لهذا الطريق، الذي شقه مع والديه.. فيرحل الآباء عن هذه الدنيا، وما توقفت صحائف الخير لديهم، والخير فيها مستمر ما دام الولد طائعاً ملتزما هذا الطريق، تلك هي التجارة الرابحة، وهذا هو الاستثمار الذي لا يبور.

By Sh Jafar Hawa