في كل عام، وما إن يهلّ علينا هلال شهر ربيع الأول أو يكاد، يحتدم الجدال مرة أخرى حول مشروعية الاحتفال بمناسبة المولد النبوي، ما بين منكر لها، مبدّع لمن يتبناها إلى حد التضليل، وما بين متبنّ لها، مبالغ في الاحتفال بها إلى حد المغالاة. وهو جدال قديم جديد، اعتدنا أن نشهده كلما حلت هذه المناسبة.

وبعيدا عما يحشده كل فريق من الأدلة على صحة قوله، والبراهين على صوابية موقفه، فإن المقاربة المتوازنة تجاه هذه القضية تتطلب منا تأصيلها تأصيلا سليما، وضبطها بضوابط دقيقة، تحقق الغاية المرجوة من هذه المناسبة، دون أن تذهب بها بعيدا عن أهدافها الصحيحة.

بداية: فلا شك أن مولد الرسول r يعتبر حدثا استثنائيا، وعلامة فارقة، لا على مستوى تاريخ الأمة الإسلامية وحسب، بل على مستوى التاريخ الإنساني ككل، ولا شك أن وجوده r وما تحقق على يديه – وعلى يد المخلصين من أتباعه من بعده – من نشر المبادئ السامية، وترسيخ الغايات النبيلة التي دعا إليها، قد غيّر مسار البشرية، وحول مسيرها نحو وجهة أخرى مختلفة تماما، بل لا نبالغ إن قلنا إن مولده كانت نقطة البداية لإنقاذ البشرية من القاع الأخلاقي والاجتماعي والديني الذي كانت مرتطمة به في تلك العصور الغابرة، وإعادة إنقاذها كلما انحدرت نحو الهاوية مجددا، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

إن قضية الاحتفال بمثل هذه المناسبات الفارقة في تاريخ الأمم تعتبر من القضايا المستجدة في عصرنا الحاضر، حيث تسعى كثير من الأمم والدول الحديثة إلى ربط حاضرها بماضيها، وإسناد واقعها بتاريخها – مهما كان قصيرا – سعيا في شحذ همم شعوبها نحو العمل والبناء لمستقبل أفضل، وقد قيل: “من لا تاريخ له لا حاضر له، ومن لا حاضر له لا مستقبل له”.

ومن هنا نشهد الاحتفال بمثل هذه المناسبات في العديد من الدول، وبين أوساط الشعوب المختلفة، بما فيها الإسلامية، سواء كانت أعيادا للتحرير والاستقلال، أو مناسبات تاريخية تمتد إلى ما هو أبعد وأقدم من نشأة بعض هذه الدول ذاتها، كالاحتفال “بيوم كولومبوس”[1] و “عيد الشكر”[2] في العالم الغربي.

ولا شك أن تاريخنا الإسلامي مليء بمثل هذه الأحداث العظيمة، ومشحون بالعديد من المناسبات الفارقة، التي لا يجوز بحال من الأحوال إغفالها أو التغافل عنها، نظرا لما تشكله من أهمية في صناعة الوعي، وتشكيل الوجدان الديني للمسلم المعاصر.

إن عدم الاحتفال بمثل هذه المناسبات في العصور الإسلامية الأولى، وتحديدا في العصر النبوي، وعصر الصحابة والتابعين، لم يكن بناء على عدم مشروعيتها، وإنما لعدم وجود الحاجة لها، أولا: لأن هذه الأحداث كانت لا تزال قريبة العهد، ولم تفتأ حاضرة في الوجدان الجمعي للأمة الإسلامية، فلا حاجة للتذكير بها، وثانيا: لأن الأمة كانت مشغولة – ذلك الزمان – في صناعة التاريخ، صنع أحداثه الفارقة، ولم تكن قد وصلت بعد إلى مرحلة استعادته واستذكاره.

أما اليوم، ومع التباعد الزماني والفكري والوجداني لكثير من أبناء الأمة الإسلامية عن تاريخها بأحداثه وشخصياته الفارقة، فقد أصبح لزاما على الدعاة والمؤثرين، على المستوى الفردي، والمؤسسي، والرسمي، استعادة هذا التاريخ، وإعادة التذكير به في كل مناسبة تتكرر من مناسباته، سعيا نحو ربط الأمة بماضيها المجيد، وشحذ همم أبنائها نحو استعادة مكانتها الطبيعية بين أمم الأرض.

ومن هنا يمكننا القول إن النقاش حول الاحتفال بمثل هذه المناسبات – بما فيها المولد النبوي – لا ينبغي أن يدور حول المشروعية من عدمها، بل ينبغي أن يكون حول الكيفية الأمثل لاستثمار مثل هذه الأحداث والمناسبات، وتوجيهها نحو النهوض بالأمة وأبنائها.

وفيما يتعلق بمناسبة (المولد النبوي) تحديدا: فإن جهل عامة المسلمين بالقدر الأكبر من سيرة رسولهم r وتعاليمه، جهلا بلغ حدّ عدم معرفة اسمه وأبسط المعلومات عنه، فضلا عن حملات التشويه الممنهجة سواء ضدّ شخصه أو ضدّ تعاليمه، كل هذا يجعل من مناسبة مولده، بل ومن كل مناسبة تتعلق به، فرصة للتعريف به، سواء كان التعريف بشخصه وسيرته، أو بما جاء به من المبادئ والتعاليم، ليعرف المسلم وغير المسلم حقيقة هذا الإنسان، وحقيّة ما جاء به، معرفة سليمة، بعيدة عن التشويه والتشغيب الذي تمارسه العديد من الجهات المغرضة.

ومن بناء على ذلك: يمكن القول إن في القول بتحريم استثمار هذه المناسبة، والدعوة إلى تجاهلها كلما حلّت، جفاء في حقه وتفريط في نصرته r، سواء وقع هذا بحسن نية أو بسوء طوية من القائمين على مثل هذه الدعوات.

وفي المقابل: فإن تحول هذه المناسبة إلى احتفالية طقوسية، تقام فيها حضرات الشطّ والنطّ، ومجالس التراقص والهذيان، فهذا بلا شك إفراط ومغالاة، يصل إلى حدّ الإهانة لمقامه الشريف r، على ما فيه من البدعة المنكرة التي لا يمكن أن يأذن بمثلها الشرع.

أما الاستثمار السليم لهذه المناسبة، فإنما يكون باستغلالها للتعريف به r، والتذكير بجميل خصاله، وجليل خِلاله، وترسيخ محبته في نفوس أتباعه، والدعوة إلى ما جاء به من مبادئ العدالة، والحرية، والرحمة، والإنسانية، وإقامتها في حياة الأفراد والمجتمعات، بمختلف الوسائل الممكنة، سواء كانت دروسا وخطبا ومحارات، أو عروضا وأفلاما وأناشيد ومسرحيات، ما دامت لا تخالف أحكام الشريعة الإسلامية التي جاء بها r.

وهنا قد يسأل سائل: هل من أصل شرعي يؤصل لمثل هذا العمل؟ خاصة أنه لم يؤثر أن الرسول r ولا أصحابه والتابعين لهم من بعده قد قاموا بمثل هذا الصنيع، ولو كان خيرا لما فاتهم وسبقناهم إليه!

والجواب: أن عدم فعلهم لشيء لا يدل على عدم مشروعيته، ما لم يتعلق الأمر بتفاصيل العبادات التي يجوز التغيير فيها بالنقص أو الزيادة، كالصلاة والصيام والحج ونحوها.

كما أنه قد تقدم أن عدم صنيعهم لمثل هذا إنما كان لعدم قيام الحاجة إليه، لا لعدم مشروعيته.

ورغم هذا: فقد ورد من الأصول الشرعية، والأدلة التشريعية، ما يدل على مشروعية مثل هذا الصنيع، فمن ذلك: أن التذكير بأيام الله، وإقامة الطاعة في ذكراها شكرا لله على ما أجراه فيها من النعم، وما دفعه فيها من النقم، هو أمر مشروع قام به الرسول r بنفسه، وتابعه عليه أصحابه وأفراد أمته من بعده، وأدلّ مثال على ذلك: صيام يوم عاشوراء، شكرا لله على ما جرى فيها من نجاة موسى وهلاك فرعون، وانتصار الحق على الباطل في ذلك اليوم، مع التأكيد على هذه القضية بقوله r: “نحن أحقّ بموسى منهم”[3].

أما فيما يتعلق بيوم مولده r تحديدا، فقد أصّل له العلماء استنادا على حديث أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَقَالَ : ” فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ “[4]. وفي هذا إشارة إلى مشروعية الاحتفاء بهذه النعمة وما يماثلها بالوسائل المشروعة.

ختاما أقول: إن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى استغلال كل حدث وكل مناسبة من هذه المناسبات، واستثمارها بالشكل الصحيح، من أجل إعادة بناء وعي ووجدان هذه الأمة، وربطها برسولها الكريم r، ومبادئ دينها وتعاليمه، بل هو من الأمور التي لا يُستغنى عنها في دعوة عامة الناس، وتثقيفهم وتبصيرهم بهذه القضايا الهامة والمعاني السامية، والقيام على هذا – مع حسن القصد – يرجى لفاعله أن يكون من المأجورين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: فتعظيم المولد، واتخاذه موسمًا، قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده، وتعظيمه لرسول الله r.

نسأل الله أن يهدينا سبيل الرشاد، وأن يوفقنا لصالح القول والعمل.

الشيخ الدكتور هيثم زماعرة

 

[1]  يوم كولومبوس Columbus Day: هو احتفال سنوي بمناسبة اكتشاف كريستوفر كولمبوس لقارتي أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية لاول مرة في 12 اكتوبر 1492م. حيث يعتبر هذا اليوم إجازة وطنية في العديد من الدول في الأمريكيتين وأوروبا (ويكيبيديا).

[2]  تطرقت إلى ما يتعلق بهذه المناسبة في مقالة سابقة بعنوان: (يوم الشكر … مناسبة للشكر) في مجلة (البصيرة) التي يصدرها مسجد أورلاند بارك.

[3]  تطرقت إلى ما يتعلق بهذا الموضوع في مقالة سابقة بعنوان: (عاشوراء … ثورة في وجه الطغيان) في مجلة (البصيرة) التي يصدرها مسجد أورلاند بارك.

[4]  صحيح مسلم (1162).