من العجيب أن تتوافق الأقدار بالنسبة لشخص ما، بحيث يتفق حدثان أساسيان في حياته في نفس اليوم أو التاريخ، أما أن تجتمع الأحداث المصيرية في حياة إنسان عظيم في يوم واحد وتاريخ واحد، فهذا يتجاوز مسألة التصادف إلى التدبير القدري المحكم، وما يحتويه من أسرار ورموز تتعلق بهذا اليوم والتاريخ بالذات، والتي ينبغي العمل على استكشاف كنهها وسبر أغوارها، واستجلاء مكنوناتها، وصولا إلى كيفية تسخيرها واستثمارها في مستقبل الأيام. وهذا ما نسعى إليه من خلال هذه المقالة، حيث نسلط الضوء على شهر ربيع الأول، وتحديدا اليوم الثاني عشر منه، حيث اجتمعت فيه ثلاثة أحداث أساسية في حياة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، ألا وهي ذكرى مولده، وانتهاء رحلة هجرته بدخوله إلى المدينة المنورة، وأخيرا: وفاته ولحوقه بالرفيق الأعلى. يضاف إلى ذلك ما نشهده في هذه الفترة من اعتداء سافر على مقامه الرفيع، وتردد الأمة، أفرادا وحكاما، بين مدافع عن هذا المقام قائم بحق نصرته، ومتخاذل عن القيام بهذا الدور العظيم.

المحطة الأولى: المولد النبوي: مولد الهدى والنور:

في يوم الإثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول، عام الفيل، الموافق للعشرين من شهر نيسان، سنة 571م[1]، كانت البشرية على موعد مع قدوم أعظم إنسان إلى هذا العالم، إنسان كتبت له الأقدار أن يغير التاريخ ويرسم للإنسانية طريقها نحو المعرفة والهداية والعدالة والسعادة. لقد اختار الله شهر ربيع الأول ليكون شهر المولد لرسوله الكريم، الذي اختاره لينقذ به البشرية مما كانت تتخبط فيه من ظلمات الجهل والضياع، وتكابده من أثقال الظلم والطغيان. فالمتأمل لحال البشرية قبل أن تشرق عليها الشمس المحمدية، ليحار فيما بلغته من سحيق القاع، أفرادا ومجتمعات، على مستوى الدين والأخلاق، والسياسة والمجتمع. حتى إن المقت الإلهي قد حل على البشرية المعذبة، فآذنها بالعقوبة العاجلة، والهلاك المبين. أخرج الإمام مسلم وغيره من حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب”[2]. لكن الرحمة الربانية قد سبقت المقت الإلهي، فبعث الله للإنسانية رسولا منها، يبلغها رسالات ربها، ويدلها على طريق النجاة في الدنيا والآخرة.

لم تكن رحلة الرسول – صلى الله عليه وسلم – مفروشة بالورود، بل كانت رحلة شاقة، قاسى فيها وعانى أصناف الامتحانات والابتلاءات، فقد ولد ونشأ يتيما فقيرا، ذاق مرارة فقد الوالدين والأهل والأحبة، ودفن بيديه جميع أبناءه وبناته، غيرَ واحدة فقط، وقاسى ما قاسى من شظف العيش ومشقات الحياة، حتى إنه كان لا يجد قوت يومه وعياله، لكنه كان دائما مضرب المثل بين قومه وأفراد مجتمعه بصدق الحديث ووفاء العهد والأمانة، وجميل الأخلاق والأعمال، فلما تلقى رسالات ربه، ودعا قومه وذويه لما فيه نجاتهم ورفعتهم في الدارين، كان قومه وبنو جلدته أول من قابل دعوته بالتكذيب وناصبها العداء والمحاربة، ولكنه استمر في مسيرته صابرا، مع ثلة قليلة من أصحابه الصادقين، مدة ثلاث عشرة سنة كاملة، حتى أذن الله للزمان أن يدور دورة أخرى، تتغير فيها الظروف، وتتبدل فيها الأحوال.

المحطة الثانية: الهجرة النبوية: ميلاد أمة:

دار الزمان دورة أخرى، فإذا بالرسول – صلى الله عليه وسلم – يخرج من مكة مهاجرا تجاه يثرب، في رحلة محفوفة بالمخاطر، استمرت مدة أسبوعين كاملين، حيث غادر مكة ليلة الجمعة السابع والعشرين من صفر من السنة الرابعة عشرة بعد البعثة – الأولى للهجرة، رفقة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وبعد قضاء ليال ثلاث في غار ثور كي يخف طلب مشركي قريش لهما انطلق الركب النبوي في يوم الإثنين، غرة شهر ربيع الأول ميمما شطر يثرب، في رحلة استمرت أسبوعا كاملا، جرت فيها أحداث عجيبة، إلى أن حط الركب المبارك رحاله في قرية قباء بضواحي المدينة، وذلك يوم الاثنين الثامن من شهر ربيع الأول. فقضى فيها صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام بنى فيها أول مسجد في الإسلام، ثم انطلق ليدخل المدينة التي باتت منورة بنوره النبوي، وذلك يوم الجمعة، الثاني عشر من شهر ربيع الأول، لتنتهي بذلك أعظم رحلة في التاريخ الإسلامي، ويعلن ميلاد أول دولة إسلامية، وأول مجتمع مسلم في التاريخ، ولتصبح المدينة المنورة وطنا للإسلام، وموئلا للمسلمين، ومنطلقا للدعوة إلى جميع أرجاء هذا العالم. وتمضى عشر سنوات كاملة، قضاها الرسول – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه في الجهاد والدفاع عن حوزة الدين، وبيضة الإسلام والمسلمين، وحمل لواء الدعوة ونشرها في مختلف أرجاء جزيرة العرب وما حولها، حتى نصر الله رسوله، ومنّ عليه بالفتح المين، فدخل الناس في دين الله أفواجا، فكان ذلك إيذانا برحيل الشخص المصطفوي عن هذه البسيطة بعد أن بلغ رسالة ربه خير بلاغ، وأدى أمانته خير أداء، ومن ثَمّ اختار الرفيق الأعلى، فصعد النور المحمدي إلى السماوات العلى، وبقي الرسول بين ظهراني الأمة بجسده الطاهر، الذي أودع الثرى في بيته المتواضع، بجوار مسجده الأنور، وليعيش مع الأمة بهديه وسنته، بعد أن فارقها بشخصه وجثمانه، لتكون وفاته اختبارا للأمة، وميلاد جديدا لها.

المحطة الثالثة: اللحوق بالرفيق الأعلى: وفاة رسول وخلود رسالة:

دار الزمان دورته، ليأتي يوم الإثنين، الثاني عشر من ربيع الأول مرة أخرى، لكنه جاء في العام الحادي عشر بعد الهجرة حاملا مصيبة جللا، واختبارا خطيرا للمؤمنين، حيث رحل الرسول الأعظم عن هذا العالم في نفس اليوم الذي جاء فيه إليه، وغاب شخصه عن أرجاء مدينته المنورة، في نفس التاريخ الذي حط رحاله فيها، فأنكر الصحابة – رضي الله عنهم – مدينتهم من دونه، بل وأنكروا قلوبهم من شدة هول المصاب. يقول أنس بن مالك: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ، أضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ وَمَا نَفَضْنَا عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- الأَيْدِي حَتَّى أنْكَرْنَا قُلُوبَنَا[3].

إلا أن هذا المصاب كان مخاضا ضروريا واختبارا لا بد منه لأمة تتمسك بالمبادئ أكثر من تعلقها بالأشخاص، “فمن كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت”، كانت وفاة الرسول اختبارا حقيقيا لثبات الأمة في أصعب الظروف والأزمات، وتحديا لقدرتها على الاستمرار رغم المصاعب والعقبات. فإنه ما إن طرق خبر وفاة الرسول الكريم الأسماعَ، حتى ارتدت أغلب الأعراب، وتمردت معظم القبائل، وخرج كثير من ضعاف الإيمان من دين الله أفواجا، كما دخلوه أفواجا، وانقلبوا إلى أعداء يتربصون الدوائر ويترقبون الفرص للقضاء على ما تبقى من الإسلام والمسلمين.

وقد نجحت الأمة في هذا الاختبار الصعيب، واجتازت هذا التحدي العصيب، مثبتة قدرتها على أن تتبوأ قيادة الأمم، وتتولى دورها في وراثة نبيها وحمل أعباء الدعوة إلى العالمين، وأثبتت أنها أمة قادرة على النهوض مهما كان مصابها فادحا، فما هي إلا سنة واحدة، حتى كانت الجيوش الإسلامية الصديقية تدك معاقل المرتدين والمتمردين، وتردهم إلى حظيرة الإسلام والمسلمين، لتنطلق من بعد ذلك صوب إمبراطوريات الظلم والطغيان، لتزلزل عروش أكاسرتها وقياصرتها، وليدوس العربي المسلم البسيط، ربعي بن عامر، بحوافر حصانه بساط كسرى ليقول له: “إننا قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة”. لتنطلق أصداء هذه الكلمات تحملها الجحافل الإسلامية، فتتهاوى أمامها عروش الطغاة، وتتداعى ممالك الظلم، وتقوم مقامها دولة العدل والإيمان، فتصدح دعوة الإسلام في أرجاء الأرض من أطراف الصين شرقا إلى حدود فرنسا والمحيط الأطلسي غربا، في أقل من مائة عام على انطلاق دعوة الإسلام في شعاب مكة وأوديتها، فغدت الأمة المحمدية أقوى وأعظم أمة عرفها العالم آنذاك.

استمرت هذه الأمة على مدى قرون من الزمان، مرت خلالها بمختلف أصناف الاختبارات، تكبو حينا وتفيق أحيانا، تخسر معركة وتكسب حروبا، يتسلط عليها أعداؤها مدة من الزمان، فيستبيحون حرماتها، ويدنسون مقدساتها، لكنها ما تلبث أن تنهض من سباتها، فتنتصر على أعدائها وتستعيد مكانتها ومقدساتها. فدحرت جيوش الصليبية الحاقدة، وهزمت الجحافل المغولية الهمجية، وأوقفت مدّهم الذي كاد أن يلتهم جميع أقطار الأرض، وواجهت الأطماع الاستعمارية برهة من الزمان، حتى دارت بها الأيام، وجرت عليها السنن الكونية، والمقادير الإلهية، فضعفت مرة أخرى بعد قوة، وذلت بعد عزّ، وكان خاتمة ذلك انفراط عقدها ورابطتها الجامعة، فتشرذمت إلى دويلات متفرقة، تتناهشها أيدي الدول الاستعمارية، وتتداعى عليها أمم الشرق والغرب تداعي الأكلة على قصعتها، فاستبيحت أراضيها، وانتهبت ثرواتها، وسفكت دماء أبنائها، ثم ما لبث الاستعمار أن أقام له وكلاء من جنس أبنائها، يخدمون مصالحه، وينفذون غاياته، ويكفونه مؤنة احتلال الأرض واستعباد الإنسان. وبلغ بها حال الذل والهوان أن انتهكت مقدساتها، ونال أعداؤها من رموزها، حتى بلغ الأمر أن يستهزؤوا بنبيها، ويصنعوا الرسومات الساخرة، والأفلام المسيئة، قاصدين بذلك طعن الأمة في أغلى ما تملك وأشد ما تعظم.

المحطة الرابعة: شهر النصر والنصرة: إلا تنصروه فقد نصره الله:

لعلي لا أبالغ إن قلت إن توقيت الأحداث الأخيرة إنما يأتي بترتيب إلهي قدري، فليس عجبا أن تتفق حادثة إعادة نشر الرسول المسيئة للرسول – صلى الله عليه وسلم – وما تلاها من أحداث وتداعيات، أن تتفق مع ذكرى مولده ومهاجره ووفاته.

أقول ذلك لأن الأمة الإسلامية قد بلغت من الضعف مبلغا حتى ليخالها الناظر إلى حالها، المتأمل في أحوالها قد ماتت أو تكاد. إلا أن هذه الحادثة قد أثبتت أن عرق الحياة لا زال ينبض في هذه الأمة، وأنها وإن تفرقت وتشرذمت، إلا أن هنالك رابطة لا زالت تربطها ببعضها البعض، وجامعا لا زال يحفظ عليها تماسكها، رغم كل المحاولات لتفتيتها وتشتيتها.

فما إن ثارت الضجة مجددا حول الإساءة إلى رسول الإسلام، حتى ثار المسلمون ثورتهم مرة أخرى، وانتهضت الشعوب المسلمة لنصرة رسولها بكل الوسائل المتاحة، رغم ما تواجهه من تخاذل أغلب حكامها، بل وتمالئ بعضهم مع أعدائها، وتآمرهم على ومقدساتها، واستهانتهم بشعائر الإسلام ومشاعر المسلمين.

إن مثل هذه الأحداث تثبت أن الرابطة الدينية، القائمة في أساسها على محبة الله ورسوله، ما زالت حية في هذه الأمة، وأن حب الرسول، والغضب لأجله ما زال جامعا يجمع مكوناتها، فكان لزاما توظيف هذا الحب والتفاني لرسول الأمة في خلق جامعة تجتمع على أساسها مختلف مكونات الأمة، ويترابط من خلالها أطراف شتاتها، وجعل نصرته سبيلا من سبل توحيد الأمة واجتماعها، واستعادة شعورها بقوتها وتأثيرها،  إلى أن يأذن الله لها بالنهوض مرة أخرى، لتقود البشرية مرة أخرى إلى طريق الخير والهداية فإن القارئ للتاريخ، المتابع للحاضر، المستشرف للمستقبل، يرى بوضوح أن قد دار دورته مرة أخرى، وأن البشرية قد عادت إلى سابق عهدها من التخبط والضياع والضلال، وأن الجهل والظلم والطغيان قد ضرب بأطنابه في أرجاء المعمورة فأخربها، حتى ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، وغدا الإنسان المعاصر كائنا شقيا معذبا، رغم كل ما يتوفر له من أسباب الرفاهية ووسائل الراحة، فكان أحوج ما يكون في هذا الزمان إلى من ينقذ روحه، ويخرجه مجددا من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ظلم الأنظمة والأديان، إلى عدالة الإسلام، ومن ضيق الحياة الدنيوية المادية إلى سعة في الحياة الدنيا، وسعادة في الأخرى.

وفي المقالة القادمة، سأتطرق بحول الله إلى أبرز الوسائل الممكنة في سبيل تحقيق نصرة الرسول الكريم، واستثمار هذه النصرة في توحيد الأمة واستعادة رباطها وهيبتها أمام خصومها.

والله ولي التوفيق.

الشيخ الدكتور هيثم زماعرة

[1]  هنالك خلاف بين العلماء والمؤرخين في تحديد تاريخ مولد الرسول – صلى الله عليه وسلم – والذي أوردنه هنا هو الأشهر من هذه الأقوال.

[2]  صحيح مسلم: حديث رقم: 2865.

[3]  أخرجه الترمذي (3618) واللفظ له، وابن ماجه (1631)، وأحمد (13830) وصححه الألباني.