يستعد كثير من الناس لاستقبال شهر رمضان المبارك بالتهيؤ لصيام الفريضة، لتلاوة القرآن، لصلاة القيام، لإطعام الطعام، لأداء الزكاة، والإكثار من الصدقات، وغير ذلك من القُربات والطاعات… وكل هذا لا شك مطلوب، لكن مما يغفل عنه كثير من الناس، ويجب الاهتمام به في رمضان وفي غير رمضان، إصلاح ذات البيْن، ذلك الخُلق العظيم الذي أولاه رسول الله ﷺ كل اهتمامه، وحذر من خرقه وإفساده.

إذا كان هدف رمضان الأسمى هو إصلاح العلاقة بيننا وبين الله، فأول خطوات تحقيق هذا الهدف: إصلاح العلاقة بيننا وبين الناس؛ إذ أن علاقتنا مع الله لن تنصلح إذا لم تنصلح علاقتنا مع الناس، وإليكم في هذا المقال بيان.

 

يقول الحق تبارك وتعالى: “لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا” (النساء: ١١٤)، والنجوى هي كلام الناس بين بعضهم البعض، الله ينفي عنه الخيرية إلا قليلاً، إذ أن غالب كلام الناس غيبة ونميمة، وكذب وشتيمة، وتباهٍ وسوالفُ حصيدة! لكن الله يخبر عن أصناف ثلاثة مستثناة؛ إذ أنها خير بل وفيها الأجر العظيم: من أمر بصدقة، أو معروف، أو إصلاح بين الناس، والثالثة هي بيت القصيد، من قام بها خالصاً لوجه الله نال الأجر العظيم، بل إنها تجمع الثلاثة معاً، فهي إصلاح ومعروف وصدقة كما أخبر النبي ‎ﷺ أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه: “أَلا أدُّلُكَ على صدقةٍ يُحبُّ اللهُ موضعَها؟ تُصلح بين الناسِ، فإنَّها صدقةٌ يُحبُّ اللهُ موضعَها” (حسنه الألباني).

 

هذا الإصلاح المرجو ليس على سبيل الندب، بمعنى إن تيسر لنا أصلحنا ما بيننا وبين الناس، أو أصلحنا بين الناس بعضهم بعضاً، بل هو واجب، ومن قصر فيه ضيع واجباً، واجبٌ على الأمة جمعاء كما نصت الآية الكريمة: ” فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ” (الأنفال: ١)، وكذلك الآية الأخرى: “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ” (الحجرات: ١٠)، هكذا حال المؤمنين كما يجب؛ صالحون في ذاتهم، مصلحون فيما بينهم، وأقبح الخلافات تلك التي تحصل بين الإخوة بالنسب! يختلفون ويتناحرون ويقاطع بعضهم بعضاً لسنوات طويلة! كيف وقد شبه الله العلاقة الحسنة بين المؤمنين بعلاقة الإخوة؟ لو اختلف كل الناس فيما بينهم، ينبغي على الإخوة عدم الاختلاف، فهي علاقة سامية ترقى على كل الضغائن والأحقاد. كم قاس هو مشهد اليوم الأول في رمضان وأحد أفراد العائلة غائب عن مائدة الإفطار بسبب خلاف ما! أو صديقٍ يدعو على آخر عند مغيب الشمس، ربما بسبب تقصير في حقه أو اعتداء… كل هذا قد يذهب سريعاً مع اعتذار صادق، ونية حسنة بالإصلاح.

 

سبق أن أشرت إلى أن العلاقة مع الله لن تنصلح إذا لم تنصلح العلاقة مع الناس، كنت أقصد الحديث الصحيح الذي يرويه سيدنا أبو الدرداء رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‎ﷺ:‏ “‏أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاَةِ وَالصَّدَقَةِ‏”‏‏، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ‏”‏ إِصْلاَحُ ذَاتِ الْبَينِ، وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ”. ما هي الحالقة؟ الحالقة هي التي تحلق الشعر، وانظروا إلى الوصف النبوي، وكأنه يقول لك: فساد ذات البين يحلق أعمالك الصالحة كما تحلق الحالقة الشعر! تظن أنك قدمت الكثير من الأعمال الصالحة ولكنك لا تجد منها شيئاً، طارت أدراج الرياح كما يطير الشعر حال حلقه! فحتى تحفظ صالح أعمالك وتربح تجارتك مع الله في رمضانك، عليك إذاً أن تصلح ما بينك وبين الناس أولاً، وأن تسعى في الإصلاح بين الناس أنفسهم ثانياً، فالأولى تحفظ عملك، والثانية ترفع قدرك فوق درجة الصائم القائم المتصدق.

 

رمضان شهر الخير والإحسان، شهر البرِّ والغفران، ومن أراد من الله مغفرة، فلا بد أن يغفر للآخرين خطأهم وزلتهم، ومن أراد من الله إحساناً إليه، فلا بد أن يُحسن إلى الآخرين طمعاً بما عند الله، هو شهر الفرص، فلا تفوتوا فرصة البداية من جديد، بداية علاقات طيبة مع الناس من حولكم، القريب منهم والبعيد، حتى تصفو القلوب، وتتفرغ من أحقادها وضغائنها، وتمتلأ حباً لله وانشغالاً بذكره، فترقى في درجات القرب من الله، وتنال الأجر العظيم الذي وعد به الله، ليكن رمضان هذا رمضان ذات البيْن، رمضان الصلة، ورمضان الصلح مع الله، ومع النفس، ومع الناس.

 

الشيخ جعفر حوى