من كنوز إحياء علوم الدين التي ينثرها حُجَّة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي، ما ذكره في أول باب التوبة:

“التوبة عن الذنوب بالرجوع إلى ستار العيوب وعلام الغيوب مبدأ طريق السالكين، ورأس مال الفائزين، وأول إقدام المريدين، ومفتاح استقامة المائلين، ومطلع الاصطفاء والاجتباء للمقربين، ولأبينا آدم عليه الصلاة والسلام وعلى سائر الأنبياء أجمعين، وما أجدر بالأولاد الاقتداء بالآباء والأجداد! فلا غرو إن أذنب الآدمي واجترم؛ فمن أشبه أباه فما ظلم، ولكن الأب إذا جبر بعد ما كسر، وعمر بعد أن هدم، فليكن النزوع إليه في كلا طرفي النفي والإثبات، والوجود والعدم، ولقد قرع آدم سن الندم، وتندم على ما سبق منه وتقدم، فمن اتخذه قدوة في الذنب دون التوبة فقد زلت به القدم. بل التجرد لمحض الخير دأب الملائكة المقربين، والتجرد للشر دون التلافي سجية الشياطين، والرجوع إلى الخير بعد الوقوع في الشر ضرورة الآدميين، فالمتجرد للخير ملك مقرب عند الملك الديان، والمتجرد للشر شيطان، والمتلافي للشر بالرجوع إلى الخير بالحقيقة إنسان”. وهذه الحقيقة الأبلغ، التائب يُثبت إنسانيته، ويقر بخطئه وضعفه: “وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا” (النساء: ٢٨).

من ظنَّ أنه بلا ذَنْبٍ فقد أَذْنَبْ! ومن ظنَّ أن رحمةَ الله لا تسعُ ذَنْبَهُ فقد أَغْرَقَ في الذَّنْبْ! ومن دَأْبِ العارفين بالله، أن إذا عصى الواحد منهم ربَهُ سارع إلى التوبة، وأداها بشروطها المعهودة، بل زاد على ذلك أن يقدم عملاً صالحاً بين يدي توبته.

مما نفهمه من قول الله تعالى: “إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ” (هود: ١١٤) وقوله: “إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ” (الفرقان: ٧٠)، مما نفهمه أن الله يحب لكل من عصى بجارحة من جوارحه أن يحسن بها لتتبدل السيئةُ حسنةً؛ فمن عصى بيده مدها للخير إحساناً يمحو ما اقترفت يداه، ومن مشى إلى الحرام سعى مسعى خيرٍ يغفر ما خَطَتْ إليه رِجلاه، ومن أَشْرَعَ لِسانه بسَيِّء القول مغفورٌ له إن هو أشغله بذكر الله، وهكذا دواليك… وجِماع الخير كله أن يركع لله ركعتين على نيَّةِ توبته، فيها استقامةٌ على أمر الله بأقدامه، ونبذٌ لدنيا يلقيها خلف ظهره رافعاً يديه بتكبيره، فيها ذكرٌ لربه بلسانه، وخشوعٌ لله بجنانه، وهدايةٌ من الله بتلاوة قرآنه… ثم يختمها بالصلاة والسلام على رسول الله وعلى من صلح من عباده.

بالله عليكم من كان هذا حاله، ألا يخرج من توبته مغموراً من الله بأَمانِهْ؟!

ونحن نتلمس نور الله بأن منَّ علينا أن نستقبل شهر رمضان المبارك، فإن خير ما نتزود به في هذا الشهر أن نقدم بين يديه توبة نصوح، خالصة صافية، عملاً بقول الله: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا” (التحريم: ٨)، وقد يستغرب البعض أنهم آمنوا، ويقول لهم الله توبوا؟! نعم، ف”كلُّ بني آدمَ خطَّاءٌ، وخيرُ الخطائين التوابونَ” (سنن ابن ماجه)، أول من عصى كان الشيطان عليه لعنة الله، وأول من تاب كان آدم عليه السلام: “وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ” (طه: ١٢١ – ١٢٢)، ثم إن التوبة مفتاح الفلاح: “وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” (النور: ٣١).

مقالي إليكم اليوم على خطى توبة نصوح، نجدد فيها العهد مع الله، ونستأنس فيها بشهر رمضان، لعلنا نحظى بأكثر قدر من الخيرات فيه، ولا ينقضي الشهر إلا وقد قُبلنا فيه وقُبلت توبتنا.

  • أول ما ينبغي الالتفات إليه سعياً إلى التوبة النصوح، أن تعترف بذنبك وتوقفه على الفور، فكيف تكون التوبة وأنت مصر على ذنبك؟ كان صغيراً أم كبيراً، وقد قالوا: لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار، وقد أخبر النبي ‎ﷺ أن محقرات الذنوب تتكاثر على صاحبها حتى تهلكه، فما نحتاجه في هذا الباب أن نوقف عداد السيئات المتتابع، حتى نعود به إلى الوراء ونمحو ما مضى من سيئات، وإيقاف الذنب بحد ذاته عمل صالح، وطاعة معروفة، يزكو بها القلب ويغدو مستعداً لنور الله يملأه من جديد.

  • الأمر الثاني: لا بد أن تندم، وتشعر بلذعة الذنب مقراً بحياة ضميرك، وأنك لا تستمرئ الذنب وتفتقده، وقد صرّح رسول الله ‎ﷺ أن “التَّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ”، وأن “النَّدَمُ تَوْبَةٌ” (سنن ابن ماجه)، هذا الشعور يدفعك لتبذل الجهد في حل معضلة الذنوب والمعاصي، وأن تفتعل الأساليب للتخلص منها. وهنا لا بد من التفرقة بين ذنوب المرء نفسه وبين وساوس الشيطان، قد يكون الشيطان بريئاً من ذنوبك التي ترتكبها، وإنما نفسك هي التي تدفعك للذنوب، وتحتاج منك وقفة وتدريباً وترويضاً لها حتى لا تكون أمارة بالسوء؛ فإذا وجدت نفسك تصر على ذنب ما فهذا من نفسك، وإلا فالشيطان يريدك مذنباً بأي شكل كان ومع أي ذنب كان، مهمته أن يصرفك عن طاعة الله، فاعلم وانتبه. وهذا الباب أهم باب في التوبة وهو بحد ذاته خلاصتها كما أخبر النبي ‎ﷺ.

  • الأمر الثالث: أن تعزم في قرارة نفسك على أن لا تعود لهذا الذنب مرة أخرى، وتَعِدَ الله بذلك مخلصاً، وهذا يتأتي بسد الأبواب الموصلة إلى الذنب؛ فمن كان مصاحباً لرفقة سوء تركهم لأجل الله، فهم سبب بلائه ومعاصيه، ومن تعود المعصية إذا حل بمكان ما تحاشى ذلك المكان حتى لا تحن نفسه للمعصية من جديد، ومما يساعد في هذا الباب قول ابن القيم رحمه الله: التوبة من ذنب هي بفعل نقيضه، فمن أذنب بلسانه يقرأ القرآن، ومن بطش بيده عاون فيها الضعيف، ومن صرف ماله في الحرام وضعه في الصدقة… كل هذا فيه عزم على ترك الذنب وعدم العودة إلى طريق المعصية من جديد.

  • الأمر الرابع: وهو مهم لمن تعلق ذنبه بالتعدي على حقوق الآخرين، لا تنفع توبته وفي رقبته حقوق للناس، لا بد أن يتحلل من حقوقهم أو أن يردها لهم، وإن لم يفعل، ربما يعفو الله عن حقه، ويترك له حق العباد إلى القيامة، ومن منا يرجو تأدية حقوق العالمين في ذلك المشهد العظيم، فليؤدها أحدنا في الدنيا لنسلم في الأخرى، ولا يتوقف دخولنا الجنة على مسامحة الناس لنا في حقوقهم حينها.

  • الأمر الخامس: تبت إلى الله توبة نصوحاً، لكنك عدت وأذنبت، وعصيت وكررت ذنبك، ما العمل؟ العمل أن تتوب مرة أخرى، كلما عصيت تب، وكلما ابتعدت عد، وكلما فتح باب ذنب سد، وليكن هذا ديدنك ودأبك، وإليك هذه الأدلة من القرآن والسنة تعينك وتشرح صدرك للعودة مرة أخرى والتوبة من جديد كلما رابك ذنب:
  • قول الله تعالى: “وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ” (طه: ٨٢)، غفار هذه صيغة مبالغة تدل على تكرار المغفرة، لكنها مشروطة بالتوبة، فمن تاب حصّل المغفرة المتكررة من الله.
  • حديث النبي ‎ﷺ الذي ذكرناه: “خيرُ الخطائين التوابونَ”، وتوّاب صيغة مبالغة لمن يكرر التوبة، فأنت مطالب في حياتك بتكرار التوبة وعدم الاكتفاء بتوبة واحدة في حياتك فقط.
  • حديث سيدنا علي كرم الله وجهه الذي يرويه عن سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي ‎ﷺ قال: “مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى لِذَلِكَ الذَّنْبِ إِلَّا غَفَرَ لَهُ، وَقَرَأَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: “وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا” (النساء: ١١٠)، “وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ” (آل عمران: ١٣٥).
  • لا تمل من تكرار التوبة، لحديث النبي ‎ﷺ: “إن الله لا يمل حتى تملوا” (صحيح البخاري)، مهما عصيت وأذنبت، عد وتب إلى الله، وتيقن بأنه يقبلك، ” وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ”.

تقبل الله منا ومنكم، وبارك لنا في رمضان، وختمه لنا بالقبول والرضوان، اللهم آمين.

الشيخ جعفر حوى