بسم الله الرحمن الرحيم

عندما تكون لديك رحلة طويلة، فإنك تتزود لها بجميع احتياجاتك، وخاصة تلك الاحتياجات التي يعتمد عليها استمرارك في هذه الرحلة، وقدرتك على استكمالها كما خططت لها.

يروي احدهم قصة حصلت له فيقول: كنت مسافراً بسيارتي لمنطقة تُسمى بـ (العين السخنة) ومعي أسرتي. كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل، وقبل انطلاقي وضعت في بالي أن انتبه على (ضوء مؤشر البنزين) كون المؤشر كان يؤشر على قرب انتهاء الخزان.

توجهت لشراء بعض اللوازم وبعدها انطلقتُ ونسيت أمر البنزين، تذكرت أن الخزان سيفرغ من البنزين وأنا في الطريق … وما هي إلا فترة قصيرة حتى أضاء مؤشر البنزين معلناً أن وقودي سينفذ نهائيا بعد فترة!

لم أقلق في البداية ظناً مني أنني سأجد الكثير من محطات الوقود في الطريق، ولكن … ومع مرور الوقت والظلام الحالك والطريق الموحش بدأ القلق يتسرب.

اتصلتُ بصديق مستعلماً منه عن أول محطة بنزين، فأنبأني بأنها بعد مسافة طويلة جدا!
تحول القلق إلى رعب… وتراجعت كل الاهتمامات والمشاغل والمشاكل… وانحصرت الآمال والأحلام والهموم كلها في أمر واحد فقط وهو: (محطة الوقود)!

ولم أعد أتمنى من الدنيا إلا محطة وقود، إذ تضاءلت وتصاغرت كل المشاكل التي كانت تشغلني منذ دقائق.

لاح لي ضوء من بعيد فدبّ في قلبي أملٌ واهنٌ وفرحٌ مُعلق، اقتربتُ من الضوء … لم تكن محطة وقود بل استراحة فقيرة جدا! شعرت بالإحباط، وسألت الرجل عن أقرب محطة وقود.

كياني كله تعلّق بـ فم ذلك الرجل في انتظار إجابة!

قال الرجل: المحطة بعد مسافة 3 كيلومتر.

كدتُ احتضنه… لكني خشيت أن تكون إجابتة غير دقيقة… أو أن محطة الوقود ليس بها وقود الليلة
انطلقتُ بعدها مكملاً طريقي وعيناي لا تفارق (ضوء مؤشر البنزين) …

ومرت الثواني كالدهر … وأخيرا … لمحت من بعيد محطة الوقود … وحين وصلت لم يكن هناك أحد … وجعلت أبحث عمن أكلمه.

ظهر رجلٌ أخيراً فسألته متلهّفاً: عندك بنزين؟

قال لي: نعم.

كانت أجمل (نعم ) سمعتها في حياتي

سجدت لله فورا … بعدها انطلقتُ لاستكمال الرحلة وأنا أشعر إني قد كُتب لي عمرٌ جديد[1].

 

لربما مرّ بعضنا بمثل هذا الموقف، وخاض تجربة شبيهة بهذه التجربة الصعبة. شخصيا، حصلت لي تجربة قريبة من ذلك أثناء إحدى رحلاتي داخل السعودية، حيث توجد بعض المناطق المعزولة وسط الصحراء، وقد تمتد بك الطريق مئات الأميال دون أن تجد محطة وقود واحدة! إلا أنك ستجد العديد من اليافطات تحذرك بأنك على وشك الولوج إلى منطقة شبه ميتة، وأن المحطة القادمة هي آخر محطة يمكنك فيها التزود باحتياجاتك.

هذا الموقف هو بحد ذاته ما يعيشه كل منا حاليا!

في رحلة الحياة، وهي رحلة طويلة تبدأ بميلادك وقدومك إلى هذا العالم، وتنتهي بوفاتك ومغادرتك له إلى عالم آخر، هنالك العديد من المحطات التي تساعدك على الاستمرار في هذه الرحلة، وتزودك بما تحتاجه كي تتمكن من قطع المرحلة القادمة من رحلتك.

وقد أشار الحديث الشريف إلى هذه الحقيقة في قوله: “إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها، لعله أن يصيبكم نفحة منها فلا تشقون بعدها أبدًا”[2]، وقد أمرنا الله عز وجل أن نتزود في هذه المحطات بما يعيننا على بلوغ ما ورائها، قال تعالى: “وتزودوا فإن خير الزاد التقوى”[3].

إحدى أهم هذه المحطات، التي تتزود فيها أرواحنا وقلوبنا بزاد الإيمان والتقوى والصلاح: شهر رمضان، الذي كتب الله علينا صيامه كما كتبه على الذين من قبلنا “لعلكم تتقون”.

رمضان فرصة للتغير، ومحطة للتجديد:

فرصة لنغير أنفسنا للأفضل، ونعدّل عاداتنا إلى ما هو أجمل، ونرتقي بأخلاقنا إلى ما هو أعلى وأكمل.

فرصة لنجدد العهد مع الله بالإيمان والطاعة، ونجدد أواصر المحبة والقربى مع أسرنا وأقاربنا وأحبابنا، ونجدد روابط الأخوة والتناصر والتلاحم مع أبناء أمتنا ومجتمعاتنا.

 

رمضان فرصة لتجديد الإيمان:

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” إنَّ الإيمانَ ليَخلَقُ في جوفِ أحدِكم كما يَخْلَقُ الثوبُ ، فاسأَلوا اللهَ أن يُجدِّدَ الإيمانَ في قلوبِكم”[4]. ورمضان فرصة سانحة لتجديد ما قد يكون ضعف من الإيمان في القلوب، من خلال العبادات والطاعات، التي بها يكون غذاء الروح، وزاد القلب، وبها يتجدد العهد مع الله.

رمضان فرصة للارتقاء بالأخلاق:

على أن مفهوم العبادة لا يقتصر على العبادات الظاهرة، وعلى الرغم من أهمية هذه العبادات، إلا أنها إنما وُجدت للارتقاء بالإنسان إلى منزلة أعلى إيمانيا وأخلاقيا، ولذلك حذرنا الرسول – صلى الله عليه وسلم – من الإنشغال بظاهر العبادات عن حقيقتها ومعناها العميق.

فالصوم – على سبيل المثال – يدرّب الإنسان على ترك ما تشتهيه نفسه من الطعام والشراب امتثالا لأمر الله، فيكون بذلك قادرا على مجاهدة نفسه في ترك ذميم الأقوال والأفعال والأخلاق، فإن لم يصل الصائم بصيامه إلى تحقيق هذه الغاية، فلا نصيب له من صيامه سوى مكابدة الجوع ومعاناة العطش، قال صلى الله عليه وسلم: “مَن لم يَدَعْ قول الزُّور والعملَ به والجهلَ، فليس للهِ حاجةٌ أن يَدَعَ طعامه وشرابه”[5].

رمضان فرصة للتخلص من العادات الذميمة:

لكل منا عادات سيئة تلازمه طوال العام، وربما يكون قد ضاق بها ذرعا، واشتدت رغبته ليتخلص منها، لكنه يفشل في ذلك، حتى يستقر في قناعته ألا خلاص له ولا مناص منها.

هنا يأتي رمضان كفرصة ثمينة للتخلص من هذه العادات؛ فعلى سبيل المثال، قد يرغب كثير من المدخنين في الإقلاع عنه، فيكون لهم في صيام رمضان أعظم العون على ذلك، حيث يجد نفسه مجبرا – بحكم الشرع – على التخلي عنه طوال وقت النهار، فما عليه سوى مجاهدة نفسه على تركه أثناء الليل أياما معدودة، فإذا به قد تخلص من هذه الآفة، التي تحرق ماله وتستنزف صحة بدنه.

مثال آخر: أن معظمنا قد ابتلي بنوع جديد من الإدمان، ألا وهو إدمان الأجهزة الألكترونية، ووسائل التواصل الاجتماعي، ورمضان فرصتنا لنضع الجهاز جانبا، ونفتح المصحف مجددا، فنقضي أعظم اللحظات في استماع كلمات ربنا، بدلا من تضييع الساعات الطوال على ما ليس فيه كبير نفع ولا عظيم فائدة.

رمضان شهر العائلة:

ما أجملها من لحظات نقضيها مع أزواجنا وأبنائنا وأحبابنا حول مائدة الإفطار والسحور، وما أبهجها من لحظات نجلس فيها معا نتدارس كتاب ربنا، أو نستمع إلى حكمة وموعظة حسنة من أحدنا.

هذه اللحظات الجميلة مع من نحب، أصبحت شيئا نفتقده طوال العام، مع طغيان الحياة المادية بأعبائها وملهياتها، وإلقائها بظلالها على أدق تفاصيل حياتنا اليومية.

إننا أحوج ما نكون أن نرجع إلى بعضنا البعض في أيام رمضان ولياليه، ونستعيد روابط المحبة والمودة مع أحبابنا، ونتفقد أحوال أقاربنا وأرحامنا، ونمد جسور المحبة والتسامح، ونتجاوز خلافاتنا وشحنائنا، حتى نخرج من رمضان وقد اتصل ما انقطع من أرحامنا، وتجدد ما بلي من أواصر المودة والمحبة بيننا.

مجتمع رمضاني … أمة رمضانية:

رمضان شهر الخير والرحمة، اختصه الله لهذه الأمة، واختص هذه الأمة به، لأنها أمة خير ورحمة، {كنتم خير أمة أخرجة للناس}[6]، على أن الأمة لا تستحق هذه الخيرية إلا إذا قامت بمقتضياتها، ومن مقتضياتها القيام بحق الأخوة بين بعضها البعض، فينصر القوي أخاه الضعيف، ويعين الموسر أخاه المحتاج، ولا يتخلى بعض هذه الأمة عن بعض، قال صلى الله عليه وسلم: “ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به”[7].

كما أن رمضان فرصة لإحياة قضايا الأمة الكبرى، والعمل على إعادة أمجادها، وتطهير مقدساتها، وتحرير أراضيها واستعادة مقدّراتها.

رمضان فرصة لبث روح جديدة في هذه الأمة، روح قائمة على الصبر والمصابرة، على التخلي عن المغريات والملهيات، على مواجهة التحديات، والتغلب على المصاعب والعقبات، روح تحتاجها الأمة للنهوض والنجاح واستعادة مكانتها الضائعة بين أمم الأرض {ولتكملوا العدة، ولتكبروا الله على ما هداكم، ولعلكم تشكرون}[8].

وفي الختام:

هاهي الأيام تجري تباعا، معلنة قرب حلول شهر رمضان، تلك المحطة التي يتزود منها كل منها لباقي العام، فكيف نضيعه؟

كيف يمكن أن نجازف بالموت عطشا؟!

كيف نمر بمحطة الوقود الوحيدة فلا نتزود؟!

كيف وقد يكون رمضان هذا هو الأخير في حياة أحدنا!

آخر محطة للتوبة والاستقامة ورد المظالم وبر الوالدين وصلة الرحم والعودة للقرآن!

آخر محطة للتزود بزاد الإيمان والتقوى قبل القدوم على الله! [9]

اللهم قد أقبل رمضان … فاجعلنا فيه من المتزودين.

الشيخ الدكتور هيثم زماعرة

[1]  د. إبراهيم الفقي: ضوء مؤشر البنزين. مدونة: كتابات في الميزان. https://www.kitabat.info/subject.php?id=120981

[2]  أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، والأوسط

[3]  البقرة: 197.

[4]  أخرجه الطبراني والحاكم

[5]  أخرجه البخاري

[6]  آل عمران: 110.

[7]  أخرجه الحاكم

[8]  البقرة: 185.

[9]  مقتبس من كلام د. إبراهيم الفقي (مصدر سابق) مع تصرف يسير.