ها قد حل رمضان، ولكنه ليس كأي رمضان آخر، رمضان جديد لن نستقبله في بيوت الله كما تعودنا، ولن نحيي أولى لياليه بصلاة التراويح في المسجد كما عهدنا، فالمساجد مغلقة، كما كثير من مناشط الحياة الأخرى، التي عُطِّلت حفاظا على أرواح الناس، وسعيا لاحتواء وباء كورونا المتزايد، والحد من انتشاره.

يضاف إلى ذلك قضايا مستجدة يتم طرحها باستمرار: هل يؤثر الصوم على مناعة الجسم؟ وهل حقا سيتم إلغاء الصيام في هذا العام لمنع الإصابة بالمرض؟ وصلاة التراويح … هل يجوز لنا – وقد حرمناها في المساجد – أن نقتدي فيها بالإمام عبر البث المباشر باستخدام وسائل الاتصال الحديثة؟ والزكاة … هل يجوز لنا تعجيلها عن وقتها، مساعدة للمحتاجين الذين انقطعت بهم سبل العيش، وتوقفت أعمالهم في هذه الأوقات العصيبة؟ ورمضان نفسه … كيف نحييه في بيوتنا إن لم نتمكن من إحيائه في بيوت الله؟

هذه بعض القضايا المهمة التي يدور حولها الجدل حاليا، وتحتاج من المختصين إلى التوضيح والبيان، وفي هذه المقالة سأتطرق – بشيء من الإيجاز – إلى أحد هذه القضايا المهمة، وهي قضية الصيام أثناء انتشار الأوبئة، ومدى تأثر هذه العبادة بمثل هذه الظروف الطارئة سواء على مستوى الأفراد أو المجتمعات، وسيكون تطرقي للقضية من خلال ثلاثة محاور:

الأول: تأصيل فرضية الصيام على المسلمين، وعدم جواز التعدي على حرمة هذه العبادة دون عذر مقبول شرعا.

والثاني: مدى تأثير الصيام على مناعة الإنسان، وبالتالي مدى مشروعية الدعوة للفطر في رمضان للحد من انتشار الأوبئة.

والثالث: الأحوال الخاصة بالأفراد، في حالة تعرضهم للإصابة، أو تضررهم بالصيام.

وفيما يلي بيان ذلك:

المحور الأول: فرْضية صيام رمضان: أما فيما يتعلق بصيام رمضان، فمن المقرر شرعا، وجوب صيام شهر رمضان كاملا على كل مسلم بالغ عاقل مقيم صحيح، ولا يسقط الصيام في هذه الحالة إلا عن المرأة بعذر الحيض والنفاس، أو حالة الحمل أو الإرضاع بشروط ذكرها الفقهاء وحددوا ضوابطها، بما لا يتسع له المقام ههنا.

وقضية وجوب الصيام على المسلم الذي استوفى شروط الوجوب، قضية لا شك فيها ولا جدال في الدين الإسلامي، حيث تعتبر من القضايا المعلومة من الدين بالضرورة، والتي لا يعذر فيها بعذر الجهل بها إلا في أحوال خاصة، ولا تقبل الخلاف الفقهي بشأنها، حيث اجتمع على الدلالة على حكمها: الكتاب والسنة والإجماع القطعي.

وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من خطورة التعدي على هذه العبادة، وبين الوعيد الشديد المترتب على التهاون في شأنها[1]، كما نص العلماء قديما وحديثا على عظيم هذه المعصية التي عدوها من أكبر الكبائر وأعظم الموبقات، وفي ذلك يقول الإمام الذهبي: وعند المسلمين مقرر أنّ مَنْ أفطر يوماً من رمضان من غير عُذْر فهو شرٌّ من الزاني والمكاس ومدمن الخمر، بل يَشكُّون في إسلامه، ويَظُنُّون به الزَّندقة والانحِلال. [2]
فإن كان هذا الوعيد في حق الأفراد الذين يتهاونون في هذه العبادة، فكيف بمن ينادي بإلغائها بالكلية، وتعطيلها بشكل كامل في حق المجتمع، لا شك أن مثل هذه الدعوات دعوات خطيرة جدا، فإن مثل هذه القضايا الكبرى لا يجوز أن تبحث على مواقع التواصل الاجتماعي، أو أثير الإذاعات والفضائيات، وإنما تجتمع لها الجهات العلمية والطبيبة والشرعية المختصة لدراستها بشكل مستوف من جميع جوانبها المختلفة.

ومن هنا، لا ينبغي للمسلم أن يتلقف الأخبار والشائعات المنتشرة، والآراء المغلوطة، والفتاوى المكذوبة، التي تنادي بتعطيل هذه العبادة، خاصة أن مثل هذه الدعوات لم تصدر عن جهات الإفتاء المعتمدة، ولا بناء على آراء الجهات الطبية الموثوقة، بل إن الصادر عن الجهات المعتمدة – الصحية منها والدينية – هو عكس ذلك تماما، كما سأوضحه في المحور الثاني.

المحور الثاني: مدى تأثير الصيام على مناعة الإنسان، وهل تؤدي هذه العبادة إلى توسع دائر الوباء ضمن المجتمعات المسلمة:

إن من المقرر لدى أهل الاختصاص في الفقه والإفتاء، أن المسألة التي يتوقف الحكم الشرعي فيها على قضية طبية، ينبغي أن يؤخذ رأي الجهات الطبية فيها أولا، كي يكون الحكم الشرعي الصادر عن جهات الإفتاء مبنيا على تصور صحيح للقضية، فيكون الحكم فيها أقرب إلى الصواب وأبعد عن الخطأ.

ولذلك فإننا يجب أن نرجع إلى الجهات الطبية المعتمدة لنستعلمها حول موضوع تأثير الصيام على مناعة الإنسان في مواجهة الأمراض.

وبالرجوع إلى منظمة الصحة العالمية، نجدها تؤكد على عدم وجود أية دراسات موثوقة تربط ما بين الصيام وخطر الإصابة بفايروس كورونا، مؤكدة على ضرورة منح الأشخاص الأصحاء فرصة ليصوموا رمضان هذا العام كالعادة رغم تفشي الفيروس[3]. كما نشرت الأمم المتحدة تغريدة أوضحت فيها أن الفكرة المتداولة بأن شرب الماء أو المشروبات الساخنة كل 15 دقيقة، كفيل بالقضاء على كورونا – وهي إحدى الشائعات المغلوطة حول كوفيد 19 والتي اعتمد عليها المروجون للدعوة إلى الإفطار في رمضان – غير صحيحة[4].

وبحسب خبراء في مجال الصحّة والغذاء، فإنه لا يوجد – حتى الآن – دراسات علميّة موثقة يمكن الاستناد اليها للقول بأن الصوم يمكن أن يؤثر على احتمالات اصابتنا بالفيروس المستجد، سلباً أو إيجاباً[5].

بل إن هنالك دراسات تشير إلى أنّ الصوم لأكثر من 14 ساعة يقوي جهاز المناعة، وذلك أحد الأهداف الصحيّة من الحميات الغذائية الرائجة والمسماة بالصوم المتقطع، والتي تفيد أيضاً في تخليص الجسم من السموم[6]. لكنها ليست دراسات كافية للاستناد عليها في منح توجيهات للملايين ممن ينوون الصوم[7].

وبناء على ما سبق فقد صدرت الفتوى عن الجهات الشرعية المعتمدة، فقد أصدر الأزهر الشريف بيانا، بحضور عدد من كبار الأطباء، والجهات الصحية بفروعها المختلفة، إضافة إلى ممثلين عن منظمة الصحة العالمية وعدد من علماء الشريعة بالأزهر الشريف، وقد حسم الأزهر الجدل حول هذه القضية، من خلال التأكيد على عدم وجود دليل علمي – حتى الآن – على يثبت الارتباط بين الصوم والإصابة بفيروس كورونا، وبناء على ذلك فإن أحكام الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالصوم تبقى على ما هي عليه، من وجوب الصوم على كافة المسلمين، إلا من رخص لهم الإفطار شرعا من أصحاب الأعذار[8]. وهو ما سأتطرق إليه في المحور الثالث.

المحور الثالث: الأحوال الخاصة بالأفراد، في حالة تعرضهم للإصابة، أو تضررهم بالصيام: وقد نصت النصوص الشرعية في هذا المقام على أن حصول المرض للإنسان يبيح له الإقدام على الفطر في رمضان، بحيث يقضي ما فاته عندما تتحسن حالته الصحية، أو يطعم مسكينا عن كل يوم أفطره في حال عدم رجاء شفائه وتحسن صحته، قال تعالى: “فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ”[9]. وقد زاد الفقهاء المسلمون هذه القضية توضيحا حيث نصوا على جواز الفطر للمريض، بأي مرض كان، في حال لم يقدر على الصيام، أو تسبب له الصيام بتفاقم المرض أو زيادة أعراضه ومضاعفاته، أو تأخير شفائه، أو كان بحاجة إلى تناول الدواء أثناء النهار، فإن تحقق شيء من ذلك، سواء بالخبرة والتجربة، أو بتوصية الطبيب الموثوق للمريض بعدم الصيام، جاز له الفطر، بل قد يجب عليه إن كان يتسبب لنفسه بالضرر بإقدامه على الصيام.

ومن هذا المنطلق، فإن الشخص الذي يتم تشخيصه بالإصابة بفايروس الكورونا، أو ظهرت لديه أعراض المرض، مباح له الفطر، على أن يقضي أو يطعم – بحسب حاله – بعد تحقق الشفاء وتحسن حالته الصحية بشكل كامل.

ومن خلال ما سبق نجد أن الشريعة الإسلامية قد وازنت بين مقصود حفظ الدين من خلال المحافظة على شعيرة الصيام قائمة في المجتمع، وما بين مقصود حفظ النفس، من خلال إباحة الفطر لمن يحتاجه من الأفراد الذين يتضررون بالصيام، أو تتأثر حالتهم الصحية سلبا بسببه.

بقي أن نقول: إن فوائد الصيام لا تقتصر على الجانب الديني، فبعيدا عن الجدل الدائر بين خبراء الصحة والتغذية حول تقوية الصيام لمناعة الإنسان، إلا أن للصيام فوائد صحية جمّة، يشهد بها الأطباء العارفون، والأطباء المختصون، كتنظيم مستوى السكر والكوليسترول والدهون في الدم، وتجديد الخلايا، وزيادة عدد كريات الدم الحمراء والبيضاء، والصفائح الدموية، وكبح الشهية، وتخفيض الوزن، والتخلص من السموم، وكبح عوامل الالتهاب ومحفزات السرطان، إضافة إلى تقليل التوتر وتعزيز الصحة النفسية وتحسين المزاج[10]،​ إلى غير ذلك من الفوائد العديدة على مستوى الصحة الجسمانية والنفسية على حد سواء، مصداقا للحديث الشريف: “صوموا تصحوا”[11].

والله تعالى أعلم أحكم.

الشيخ الدكتور هيثم زماعرة

[1]  من ذلك ما أخرجه النسائي في السنن الكبرى (3273) عن أبي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أَتَانِي رَجُلَانِ فَأَخَذَا بِضَبْعَيَّ” وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ قَالَ: “ثُمَّ انْطَلَقَا بِي فَإِذَا قَوْمٌ مُعَلَّقُونَ بِعَرَاقِيبِهِمْ، مُشَقَّقَةٌ أَشْدَاقُهُمْ تَسِيلُ أَشْدَاقُهُمْ دَمًا، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُفْطِرُونَ قَبْلَ تَحِلَّةِ صَوْمِهِمْ”. وصححه الشيخ الألباني (سلسلة الأحاديث الصحيحة 3951).

[2]  الذهبي: الكبائر ص64.

[3]  صحيفة الشرق 19 أبريل 2020 بعنوان: ماذا عن الصوم والزكاة؟ .. هذه توصيات منظمة الصحة العالمية للمسلمين في رمضان.

[4]  سكاي نيوز عربية 19 أبريل 2020 بعنوان: الصيام في “زمن كورونا”.. تساؤلات في الشهر الفضيل.

[5]  BBC عربي 15 أبريل 2020 بعنوان: فيروس كورونا: كيف سيؤثر على صوم رمضان؟

[6]  مدونات الجزيرة: فوائد الصيام في زمن الكورونا. د. فتحي الشوك (طبيب) بتاريخ 16 أبريل 2020.

[7]  BBC عربي: مصدر سابق.

[8]  سكاي نيوز عربية: مصدر سابق.

[9]  البقرة: 184.

[10]  كليفلاند كلينيك أبو ظبي، 16 مايو 2019، بعنوان: تعرف على بعض الفوائد الصحية المهمة للصيام خلال شهر رمضان المبارك. وموسوعة الجزيرة: ما فوائد الصيام؟ (بدون تاريخ).

[11]  أخرجه العقيلي في ((الضعفاء الكبير)) (2/92)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (8312) مطولاً، وأبو نعيم في ((الطب النبوي)) (113) واللفظ له، وقد ضعفه الألباني (ضعيف الجامع 3504، والسلسلة الضعيفة 253)، ولكن معناه صحيح.