نقل الإمام شمس الدين الذهبي في كتابه سِير أعلام النبلاء، عن تابعي من أنبل نبلاء زمانه، تقدم الخليفة عبد الملك بن مروان بخِطبة ابنته لابنه الوليد بن عبد الملك، لكنه رفض وردَّ الخليفة وولدَه، وزوّج ابنته لأحد طلابه على مهرٍ قدره درهمين. ذلكم هو سيد التابعين في زمانه، وشيخ مسجد رسول الله، الذي كان يُفتي في المدينة وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحياء، ذلكم هو سعيد بن المُسَيَّبْ رضي الله عنه.

تعجب الناس من حاله وفعله، وأنكروا عليه، وسألوه: أتردُ خِطبة أمير المؤمنين، وتزوج ابنتك برجل من عامة الناس؟، فأجابهم: “ان ابنتي أمانة في عنقي، وقد تحرَّيْت فيما صنعته لها صلاح أمرها؛ ما ظنكم بها إذا انتقلت إلى قصور بني أمية، وتقلبت بين رياشِها وأثاثها، وقام الخدم والحشم والجواري بين يديها وعن يمينها وعن شمالها.. ثم وجدت نفسها زوجة للخليفة، أين يصبح دينها يومئذ؟”.

روى قصة الزواج تلك، صهره زوج ابنته: كثيرُ ابن أبي وَدَاعَة، فقال: “كُنْتُ أُجَالِسُ سَعِيْدَ بنَ المُسَيِّبِ (يقصد حلقات العلم)، فَفَقَدَنِي أَيَّاماً، فَلَمَّا جِئْتُهُ، قَالَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ قُلْتُ: تُوُفِّيَتْ أَهْلِي، فَاشْتَغَلْتُ بِهَا. فقَالَ: أَلاَ أَخْبَرْتَنَا، فَشَهِدْنَاهَا (يقصد الجنازة وما يتبعها).
ثُمَّ قَالَ: هَلِ اسْتَحْدَثْتَ امْرَأَةً؟ فقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، وَمَنْ يُزَوِّجُنِي وَمَا أَمْلِكُ إِلاَّ دِرْهَمَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً؟
قَالَ سعيد: أَنَا. فقُلْتُ: وَتَفْعَلُ؟ قَالَ: نَعَمْ.

ثُمَّ تَحَمَّدَ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَزَوَّجَنِي عَلَى دِرْهَمَيْنِ -أَوْ قَالَ: ثَلاَثَةٍ- فَقُمْتُ، وَمَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ مِنَ الفَرَحِ، فَصِرْتُ إِلَى مَنْزِلِي، وَجَعَلْتُ أَتَفَكَّرُ فِيْمَنْ أَسْتدِيْنُ.

فَصَلَّيْتُ المَغْرِبَ، وَرَجَعْتُ إِلَى مَنْزِلِي، وَكُنْتُ وَحْدِي صَائِماً، فَقَدَّمْتُ عَشَائِي أُفْطِرُ، وَكَانَ خُبْزاً وَزَيْتاً، فَإِذَا بَابِي يُقْرَعُ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: سَعِيْدٌ. فَأَفْكَرْتُ فِي كُلِّ مَن اسْمُهُ سَعِيْدٌ إِلاَّ ابْنَ المُسَيِّبِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرَ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً إِلاَّ بَيْنَ بَيْتِهِ وَالمَسْجِدِ، فَخَرَجْتُ، فَإِذَا سَعِيْدٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ بَدَا لَهُ (ظن أنه قد رجع عن أمر زواجه).

فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيَكَ؟ قَالَ: لاَ، أَنْتَ أَحَقُّ أَنْ تُؤْتَى، إِنَّكَ كُنْتَ رَجُلاً عَزَباً، فَتَزَوَّجْتَ، فَكَرِهْتُ أَنْ تَبِيْتَ اللَّيْلَةَ وَحْدَكَ، وَهَذِهِ امْرَأَتُكَ. فَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ مِنْ خَلْفِهِ فِي طُوْلِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهَا، فَدَفَعَهَا فِي البَابِ، وَرَدَّ البَابَ.

فَسَقَطَتِ المَرْأَةُ مِنَ الحِيَاءِ، فَاسْتَوْثَقْتُ مِنَ البَابِ، ثُمَّ وَضَعْتُ القَصْعَةَ فِي ظِلِّ السِّرَاجِ لَكِي لاَ تَرَاهُ، ثُمَّ صَعِدْتُ السَّطْحَ، فَرَمَيْتُ الجِيْرَانَ (طريقة كانوا يتبعونها لمناداة بعضهم عن الحاجة، بأن يرمي قطعة حصى صغيرة)، فَجَاؤُوْنِي، فَقَالُوا: مَا شَأْنُكَ؟
فَأَخْبَرْتُهُم، وَنَزَلُوا إِلَيْهَا، وَبَلَغَ أُمِّي، فَجَاءتْ، وَقَالَتْ: وَجْهِي مِنْ وَجْهِكَ حَرَامٌ إِنْ مَسَسْتَهَا قَبْلَ أَنْ أُصْلِحَهَا إِلَى ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ.
فَأَقَمْتُ ثَلاَثاً، ثُمَّ دَخَلْتُ بِهَا، فَإِذَا هِيَ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ، وَأَحْفَظِ النَّاسِ لِكِتَابِ اللهِ، وَأَعْلَمِهِم بِسُنَّةِ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَعْرَفِهِم بِحَقِّ زَوْجٍ.
فَمَكَثْتُ شَهْراً لاَ آتِي سَعِيْدَ بنَ المُسَيِّبِ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَهُوَ فِي حَلْقَتِهِ، فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلاَمَ، وَلَمْ يُكَلِّمْنِي حَتَّى تَقَوَّضَ المَجْلِسُ (حتى ذهب الناس).
فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ غَيْرِي، قَالَ: مَا حَالُ ذَلِكَ الإِنْسَانِ؟ قُلْتُ: خَيْرٌ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، عَلَى مَا يُحِبُّ الصَّدِيْقُ، وَيَكْرَهُ العَدُوُّ. فَانْصَرَفْتُ إِلَى مَنْزِلِي، فَوَجَّهَ إِلَيَّ بِعِشْرِيْنَ أَلْفَ دِرْهَمٍ.

تلك القصة أنقلها لكم كما وردت، وما الهدف من ذلك إلا أن نأحذ عبرة ودرساً، في التيسير في أمور الزواج، على بناتنا وعلى أبنائنا، وأن نحكّمَ أمر الله وشرع رسوله فيما هو بين أيدينا من أمر أبنائنا، فوالله ما كان المهر يوماً دلالة على قيمة المرأة من كمال أو نقص، ولو كان الأمر كذلك لكانت أولى النساء بأن تفوق مهورهن كل حَدٍ، زوجات النبي أمهات المؤمنين، ولكن كما قال صلى الله عليه وسلم: “أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ صَدَاقًا” (المستدرك على الصحيحين للحاكم)، يقصد ذوات المهور القليلة اليسرة.

ولا بد أن نعلم من تلك القصة، أنه ما كان غنى الرجل ومنصبه وجاهه، دلالة على أنه يستحق أن يُعطى أي فتاة طلب، ولو كان ابن الخليفة، بل إنما كمالُ الرجل في خلقه وتعامله ودينه وحسن عشرته، وهذا الذي يُعطى ولا يرد طلبه، صاحب الدين والخلق، ولا ضير في كونه غنياً أو صاحب منصب أو جاه بعد ذلك.

وكذلك الأمر بطبيعة الحال للفتاة، فحق لكل شاب أن يطلب ذات الجمال وذات الجاه وذات المال، لكن هذه الصفات على ما فيها من المغريات، إذا لم توجد صفة الدّين التي تضبطها وتحكمها، فإنها تكون أول مسمار في نعش العلاقة الزوجية وفسادها بعد ذلك. فالدين أولاً، ثم بعد ذلك لك أن تطلب ما تشاء، الشرع أباح ذلك، بل أعطاك الحرية والحق في أن تطلب ذلك، لكنه أثار انتباهك على خطوة أولى لا بد منها، الدين؛ لأن بنتَ الدين تخافُ ربها، وتُصلي فَرضها، وتبّرُ أباها وأمها، وتُحسنُ للناس من حولها، فحريٌّ بها أن تصونَ زوجها، وأن تعرفَ حقه وحقها، وأن تقيمَ لهذه العلاقة وزنها، وأن تربيَ جيلاً يستقيم على أمر الله، تعيش الحياة بكل ما فيها، لا ينقصها شيء، ولا يفوتها أمر، تسعَدُ وتَأنَس، وتفرَح وتمرَح، ملكة في بيتها، رضيّة في عيشها، عابدة بين يدي ربها، سائحة في كونه، وحبيبة وأنيسة بين يدي زوجها، عصفورة في عشه، لا كما يظن عامة الناس، أنها مسكينة لا تقدر على الحياة، وتمنع نفسها من مباهجها، بل على العكس تماماً، تعيش والبسط يملأ قلبها، لأنها حكّمَت حياتها وِفقَ أمر الله، وعاشتها لله، ومع الله، لذلكَ “فاظفَرْ بِذاتِ الدينِ تَرِبَتْ يَداكْ”.

شيخ جعفر حوى

Sh Jafar Hawa