ها هو شهر رمضان يهلّ علينا من جديد، ويحلّ علينا ببركاته ونفحاته، وها هي النفوس المشتاقة تزداد إقبالا على الصالحات من الأعمال والطاعات.

وفي هذا الشهر تكثر الأسئلة عن أحكام العديد من العبادات، والتي يختص بعضها بهذا الشهر الكريم، ومن هذه العبادات: زكاة الفطر، فهي عبادة لا تتكرر في العام إلا مرة واحدة، حيث تقترن بهذا الشهر الفضيل، وخاصة أواخره، حتى ضمها الفقهاء إلى أحكام هذا الشهر ومسائله.

وفي هذه المقالة، سوف أتطرق إلى سبعة أسئلة، تتضمن خلاصة وافية – إن شاء الله – حول أحكام هذه العبادة، هذه الأسئلة هي:

  1. ما هي زكاة الفطر؟
  2. ما حكمها؟ وعلى من تجب؟
  3. لماذا شرعت صدقة الفطر (حكمة مشروعيتها)؟
  4. كيفية إخراجها؟ وهل يجب أداؤها مالا أم طعاما؟
  5. ما هو مقدارها؟
  6. لمن يجب إعطاؤها؟ وهل يجب إعلام المستلم بأنها صدقة عليه؟
  7. متى وأين يجب إخراجها؟

وقد حرصت في الجواب على هذه الأسئلة على مراعاة الوضوح، والاختصار، مع الاقتصار على القول الذي يترجح لي مناسبته لأحوال الناس وظروفهم، وطبيعة معايشهم، دون الخوض في خلاف الفقهاء ومناقشاتهم، والابتعاد عن التعمق في تفصيلاتهم وتفريعاتهم – التي لا يُعنى بها غير المختصين من علماء الشريعة وطلابها – قدر الإمكان.

فأقول ومن الله أستمد العون والتوفيق:

 أولا: ما هي زكاة الفطر؟

زكاة الفطر – أو صدقة الفطر – عبارة عن صدقة واجبة على كل مسلم مقتدر، يؤديها – قبل صلاة العيد – عن نفسه، وعمن يعول من أفراد أسرته[1].

 ثانيا: ما حكمها؟ وعلى من تجب؟

زكاة الفطر واجبة باتفاق الفقهاء، على كل مسلم مقتدر، يؤديها عن نفسه، وعمن تلزمه نفقته من أفراد أسرته، كزوجته، وأبنائه، حتى الرضيع منهم[2]، ويستحب إخراجها عن الجنين الذي لم يولد بعد[3].

 ثالثا: لماذا شرعت صدقة الفطر (حكمة مشروعيتها)؟

عن ابنِ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عنهما قال: “فرَضَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم زكاةَ الفِطر؛ طُهْرةً للصَّائِمِ مِنَ اللَّغوِ والرَّفَثِ، وطُعمةً للمَساكينِ”[4].

فمن هذا الحديث يتبين أن الحكمة من هذه الصدقة أمران:

الأول: تطهير الصوم من اللغو والرفث، وجبر ما حصل فيه النقص بسبب ذلك.

والثاني: مواساة المساكين والمحتاجين، وإعانتهم حتى يتمكنوا من مشاركة المسلمين الفرحة بيوم العيد. يؤكد هذا المعنى قوله r: “أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم”[5].

كما أنها تتضمن شكر المولى سبحانه على بلوغ شهر رمضان، وإتمام صيامه.

كما أن فيها معنى الشكر على نعمة الصحة والبقاء، بأن أنعم الله على الإنسان بعام آخر، يقضيه مع أفراد عائلته، فلذلك يخرج هذه الصدقة شكرا لله عن كل واحد منهم، صغيرا كان أم كبيرا، وهو ما عبر عنه بعض الفقهاء “زكاة البَدَن”[6].

رابعا: كيفية إخراجها؟ وهل يجب أداؤها مالا أم طعاما؟

عندما فرض رسول الله r زكاة الفطر، أمر الصحابة y بإخراجها مما يتوفر لديهم من الطعام في بيوتهم، كالتمر والشعير والأقط ونحوها من الأطعمة الشائعة في ذلك الزمان، تيسيرا عليهم أن يتكلفوا إخراج الدنانير والدراهم التي لم تكن شائعة – رغم وجودها – في بلاد العرب آنذاك. كما أن نظام السوق القائم على المقايضة آنذاك كان يتيح للمحتاج الاستفادة من هذا الطعام باستهلاكه مع أفراد أسرته، أو مبادلته بسلع أخرى يحتاجها في يوم العيد، يضاف إلى ذلك بساطة أسلوب الحياة في تلك العصور، ومحدودية حاجات الأسر ومتطلباتها في يوم العيد، والتي كان يمكن تغطيتها ببضعة أصوعة من الطعام.

أما في عصرنا الحاضر، فمع تطور الحياة، وتغير النظام الاقتصادي الذي أصبح معتمدا بشكل شبه كلي على النقود، كوسيلة للتبادل التجاري، مع تنوع حاجات الأسر، وتغيّر متطلباتها ليوم العيد، فإن الأنفع للمحتاجين – في معظم البلدان – هو دفع صدقة الفطر إليهم مالا لا طعاما، وهو الأقرب إلى تحقيق مقاصد هذه العبادة وغاياتها، أما دفعها طعاما، فقد يفوّت أكثر مقاصدها، ويُلجئ المحتاجين إلى التحايل ببيع الطعام بأقل من قيمته لشراء ما يحتاجونه[7].

ويمكن للمسلم إخراج الزكاة بنفسه لمستحقيها، أو توكيل من يثق به ليقوم بذلك نيابة عنه، كما يجوز له دفع المال للمراكز الإسلامية والمؤسسات الخيرية ولجان الزكاة الموثوقة، التي تتولى مهمة إيصال مثل هذه الصدقات إلى مستحقيها.

خامسا: ما هو مقدارها؟

الأصل في تحديد مقدار زكاة الفطر مراعاة كفاية الأسر المحتاجة في يوم العيد، وتوزيع ذلك على الأسر المقتدرة، كلٌّ بحسب دخله، وهو أمر يختلف من بلد إلى بلد، ومن زمان إلى زمان، وهي مهمة تحتاج إلى مجهود مشترك بين علماء الشريعة والاقتصاد، لتحديد المقدار الأنسب[8]، أو على الأقل الرجوع إلى تقدير الفقهاء العارفين بطبيعة المجتمع المسلم وحاجاته في كل منطقة، لتحديد القدرَ المناسب لتغطية حاجات الأسر المحتاجة ومتطلباتها، وقد حدّد نخبة من أئمة منطقة شيكاغو وما حولها مقدار زكاة الفطر لهذا العام بـ 15 دولارا أمريكيا للشخص الواحد.

على أني أرى أن هذا إنما ينبغي أن يكون الحد الأدنى لما يخرجه المسلم المقتدر، وأن من وسّع الله عليه في الرزق ينبغي له أن يخرج ما هو أكثر من ذلك بحسب قدراته وإمكاناته المادية، كما قال تعالى: “لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍۢ مِّن سَعَتِهِۦ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُۥ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَا ۚ سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍۢ يُسْرًا”[9].

الشيخ الدكتور هيثم زماعرة

سادسا: لمن يجب إعطاؤها؟ وهل يجب إعلام المستلم بأنها صدقة عليه؟

المستحقون لزكاة الفطر – على الراجح – هم الفقراء والمساكين من المسلمين[10]، وهم – بمفهوم عصرنا الحاضر – الذين لا يملكون من الدخل ما يغطي احتياجاتهم، من مسكن، ومأكل، ومشرب، وملبس، وتعليم، ومواصلات إلى غير ذلك من متطلبات الحياة.

وفيما يتعلق بزكاة الفطر، فإن هذا ينطبق على الأسر التي تواجه مشقة في تلبية متطلبات العيد، من ملابس وألعاب وعيديات ونحو ذلك.

فهؤلاء هم الذين ينبغي دفع زكاة الفطر لهم، دون غيرهم. وأولى الناس بذلك هم ذوي الرحم والقرابة، كالإخوة والأخوات والعمات والخالات ونحوهم إن كانوا من المستحقين.

كما يجوز للأب والأم دفعها إلى أبنائهم وبناتهم المحتاجين، كما يجوز للأبناء والبنات دفعها للوالدين أو أحدهما إذا كانوا من المستحقين، بشرط أن يكونوا مستقلين ماليا عن بعضهم البعض، بأن يكون لكل منهم أسرته الخاصة، ودخله المستقل[11]. بل إن هؤلاء هم أولى المستحقين لهذه الصدقة في هذه الحالة.

ولا يجب، بل لا ينبغي، إعلام المستلم بأن ما أخذه إنما هو فطرة، وإنما يستحسن أن يقدمها له على صورة هدية، أو نحو ذلك من الطرق التي تحفظ ماء وجه المحتاجين، ولا توقعهم في الإحراج، وتكفي نية الصدقة في قلب المعطي، ولو لم يعلم بها المستلم، لتحقق هذه العبادة وتأدي الواجب بها.

سابعا: متى وأين يجب إخراجها؟

يجب إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد، وأجاز بعض الفقهاء تقديمها على اليوم العيد بيوم أو يومين[12]، ولكن في وقتنا الحاضر، فإن الأرجح جواز إخراجها من بداية شهر رمضان[13]، حتى يتأتى إيصالها للمحتاجين، ويتمكنوا من شراء حاجاتهم ليوم العيد، خاصة في البلدان التي ترتفع فيها الأسعار بشكل كبير قبيل أيام العيد.

والأصل دفع زكاة الفطر لمستحقيها في نفس البلد الذي يعيش فيه المزكي، ويجوز إخراجها في غير بلد المزكي إن وجدت لذلك حاجة أو ترتبت عليه مصلحة[14]، كأن يرسلها إلى أقاربه المحتاجين، أو إلى من هو أحوج من المسلمين في الأقطار الأخرى.

 وختاما: فإن زكاة الفطر شعيرة عظيمة، تحقق التراحم والتكافل بين الأسر المسلمة، وتوثق قيم الترابط بين المجتمعات المسلمة، فكان حقا على كل مسلم أن يحرص على أدائها على أكمل الوجوه التي تحقق غاياتها وتلبي مقاصدها.

نسأل الله أن يجعل هذا الشهر شهر خير وبركة على جميع عباده الصالحين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وكل عام وأنتم بخير.

الشيخ الدكتور هيثم زماعرة

 

[1]  شرح الزيلعي ١ / ٣٠٦، نيل المآرب ١ / ٢٥٥، الموسوعة الفقهية 23/335.

[2]  حاشية ابن عابدين ٢ / ١١٠، بلغة السالك ١ / ٢٠٠، شرح المنهاج ١ / ٦٢٨، كشاف القناع ١ / ٤٧١.، الموسوعة الفقهية 23/336.

[3]  وذلك لفعل عثمان رضي الله عنه وعن أبى قلابة قال: كان يعجبهم أن يعطوا زكاة الفطرة عن الصغير والكبير، حتى عن الحمل في بطن أمه (رواه أبو بكر في الشافي).

[4]  أخرجه أبو داود (1609)، وابن ماجه  (1827)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3570).

[5]  أخرجه الدار قطني كتاب الزكاة، (2/152)، رقم (67)، والبيهقي في السنن الكبرى، في كتاب الزكاة، باب وقت إخراج زكاة الفطر، (4/175)، رقم (7528)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

[6]  إرشاد أولى البصائر والألباب – ابن سعدي ص 134 – 135.

[7]  وسوف أتطرق إلى هذه المسألة بتوسع أكبر في مقالة قادمة إن شاء الله.

[8]  وسوف أتطرق إلى هذه القضية، وإلى موضوع إعادة النظر في تحديد أنصبة الزكاة عموما، في مقالات قادمة إن شاء الله تعالى.

[9]  الطلاق – 7.

[10]  وهو مذهَبُ المالكيَّة، وقَولٌ للحَنابِلَة، واختاره ابنُ تيميَّة، وابنُ القيِّم، والشوكانيُّ، وبعض المعاصرين، بينما ذهب الجمهور من الحنفيَّة، والشافعيَّة، والحَنابِلَة إلى أنَّ مَصرِفَ زكاةِ الفِطرِ هو مَصرِفُ زكاةِ المالِ في الأصنافِ الثَّمانيةِ.

حاشية ابن عابدين 2/79، حاشية الدسوقي 1/508، مغني المحتاج 3/116، الفروع 2/540، مجموع الفتاوى 25 / 73، زاد المعاد 2/21، نيل الأوطار 4 / 218، الموسوعة الفقهية 23/344.

[11]  حكم دفع زكاة الفطر للابن الفقير، فتوى على موقع إسلام ويب.

[12]  بلغة السالك 1/201، كشاف القناع 1/471 وما بعدها، الموسوعة الفقهية 23/341.

[13] وهو ما ذهب إليه بعض الحنفية. الموسوعة الفقهية 23/342.

[14] الموسوعة الفقهية 23/345.