يقول الحق تبارك وتعالى في أوائل سورة الأنفال: “إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ” (الأنفال: ٢-٤).مقالي إليكم اليوم حول صفات المؤمنين الحق، في خمس صفات منصوصة في أول سورة الأنفال، ثلاث منها خوافٍ، وثنتان ظواهر، ثلاثٌ محلها القلوب، وثنتان دليلها عمل الجوارح الدؤوب.قبل البدء في سرد هذه الصفات الفاضلة بتفصيلاتها، لا بد من الإشارة إلى أن هذه السورة سورة مدنية نزلت بعد غزوة بدر الكبرى، لتتحدث عن بعض أمور جدَّت على المجتمع المسلم الذي بدأ يشتد عوده وتبلغ الآفاق سمعته، في حين أن بعض أبنائه غلبته نفسه البشرية وظروفه الصعبة التي كان يعانيها بعد الهجرة، فتعلقوا بغنائم الحرب التي غنموها من قريش وتطلعت نفوسهم لزخرف من الدنيا، فجاءت هذه السورة رافداً للإيمان في قلوبهم بدرجاته العُليا، كما يحب الله ويرضى رسوله الكريم ﷺ، جاءت ترقية وتزكية لهذا المجتمع الذي سيضرب أروع الأمثلة وأشرفها على صفحات الزمان، بالخلق الأجم، والتسليم الأتم، لله ولرسوله ﷺ، وقد سطرت السورة في جنباتها مبدأ عظيماً يقرر فيه الحياة الحقة التي ما اعتادها الناس سابقاً، بقول الله: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ” (الأنفال: ٢٤)، فالحياة الحق ما كان استجابة لله ورسوله، وما سوى ذلك أشباه حياة.

أما تفصيل هذه الصفات فهو كالآتي:

  • ” إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ”: خافت قلوبهم وتحركت قشعريرة من عظمته سبحانه، ونبضت سريعة التردد من هيبته، لأنهم يعرفون مقامه فلا يصح معه إلا إن يتزلزل الكيان من خشيته. لكنه سبحانه الذي أوجلهم هنا طمأنهم هناك في سورة الرعد: “الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب” (الرعد: ٢٨). فكيف نستطيع التوفيق بين الآيتين؟ مرجع هذا إلى أنه سبحانه يتجلى عليهم بصفات الجلال فتوجل قلوبهم، كصفاته: القوي الجبار القهار العظيم المتكبر، ويتودد إليهم بصفات الجمال فتطمئن قلوبهم، كصفاته: الغفور الرحيم الودود التواب الوهاب… هذا في حقه سبحانه، أما في حق العباد، فمن أتاه مذنباً، أتاه وجلاً خائفاً معترفاً بما اقترفت يداه، ومن أتاه طائعاً، أتاه مطمئناً بما وفقه إليه مولاه.
  • “وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا”: فِعل تلا من التلاوة، وهي مختصة بقراءة القرآن الكريم، قراءة تصطف فيها الكلمات خلف بعضها متتالية سلسة عذبة، وقد يُفهم منه المتابعة أيضاً، بمعنى أنهم ليسوا فقط قراءاً للقرآن، بل قراءٌ للكون من حولهم ينظرون نعم الله المتتالية المتتابعة عليهم، فهم بفضل هذا القرآن معترفون بنِعم الله، وأعظمها هذا القرآن الذي يتلونه.
  • “وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ”: يضعون كل ثقتهم بالله في كل ما يجدون ويواجهون من مشاق وصعاب، يأخذون بالأسباب المتاحة وكأنها كل شيء، ويتوكلون على الله وكأن الأسباب لا شيء، يبدأ توكلهم قبل لحظة الأخذ بالسبب، فالسبب ما كان ليكون لولا الله، فتراهم مطمئنين آمنين، لا يخوفهم فزع، ولا يهولهم جزع.

وحتى هنا، نجد هذه الصفات الثلاثة خفية في القلب، لا يطلع عليها أحد سوى الله، وهي عماد الإيمان، وما يخفى من الإيمان أكثر مما يظهر، لذلك تجد هذه الصفات جاوزت النصف، وتبقى صفتان للتمام، ليس تقليلاً من شأن العبادات الظاهرة، وهي دليل على صدق الإيمان الخفي، بل تعظيماً لما يخفى من العبادات، تقديراً ورفعةً لشأن العلاقة بين العبد وربه سبحانه؛ فإن صلحت حال المرء مع ربه فيما خفي، صلح كل حال له فيما بدا.

أما ما بقي من الصفات فهي ظاهرة معلومة، يراها الناس ويطلعون عليها، بل ويحكمون على أصحابها بظاهر ما يرون منهم، وأول هذه الصفات:

  • “الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ”: يقيمونها بالشعائر والشروط والسنن والأركان، ويحيونها بالمشاعر بالخشوع والخضوع والتذلل للرحمن. يكفي المرء حتى لا يُقصر في صلاته، أن يعلم أن رسول الله ‎ﷺ فارق الحياة وهو يوصي الصحابة من حوله: “الصلاة وما ملكت أيمانكم، الصلاة وما ملكت أيمانكم”، يكفي المرء أن يعلم أن الصلاة عماد الدين في الدنيا، وعماد الحساب في الأخرى؛ فمن أقامها أقام الدين، وإن صلحت صلُح سائر عمله… مهما كان الواحد منا مقصراً، لا يقصر في الصلاة، فلعل الصلاة تكون وسيلته الوحيدة ليعبر إلى الجنة، ولعلها الشافع الوحيد له يوم القيامة، مع كثرة عصيانه وتقصيره فيما سواها، إلا أنه يصر على بقاء هذا الرباط بينه وبين الله وثيقاً، ومن فعل واستقام، سيجد حلاوة لذلك، بل سيجد الصلاة تأخذه من ذنوبه، وتلقي عليه فيض نوره، وتلهمه الرشد في دروبه.
  • “وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ”: الله يرزقنا كل شيء، ثم يطلب منا شيئاً يسيراً من هذا الشيء، ثم يشكر لنا: “إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم” (التغابن: ١٧)، وكأنه امتحان ليُعلم منه قدر استجابة كل امرىء منا، ويا له من امتحان! فمما يحب المرء إن لم يكن أحب ما لديه؛ ماله، لذلك كان حرياً بمن ينجح بهذا الامتحان إنفاقاً وتصدقاً، أن يكون من المؤمنين الحق المتصفين بهذه الصفات.

ومما يظهر من حِكَمِ الله في ذكر الصلاة والزكاة معاً في مواضع كثيرة من القرآن الكريم أن كلاهما زكاة؛ فالصلاة زكاة وقتك، والزكاة زكاة مالك، ثم إن إحداهما عبادة مع الحق، وثانيهما عبادة مع الخلق.

فهذي صفات خمس، من تمثلها سَعِدْ، ومن سَعِدَ بها في الدنيا كان سعيداً بها في الأخرى، يحظى بما أعده الله من أجر لمن يحمل هذه الصفات: ” أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ”.

الشيخ جعفر حوى