لا شك أن التربية مهمة فريدة في ذاتها، جليلة في أثرها، عظيمة في ثِمارها، ولما اشْتُقَّت كلمة التربية من الفعل رَبَا؛ فقد حوت معاني كثيرة، من أجملها في نظري اثنين: رَبَا يربو بمعنى ينمو، إشارة إلى النمو الجسدي والعقلي المتعارف عليه وما يتعلق بهما، ورَبَا يربو بمعنى يعلو، إشارة إلى العلو فوق سفاسف الأمور وباطلها… وهذان المعنيان من أهم ما ينبغي مراعاته عند القيام بمهمة التربية: مراعاة النمو الجسدي والعقلي للولد، وتربيته على كل ما هو حسن، وتجنيبه كل ما هو إثم.

 

من حديث رسول الله ﷺ الصحيح، الذي يرويه سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه، يقول: “إنَّ اللهَ سائلٌ كلَّ راعٍ عمَّا استرعاه: أحفِظ أم ضيَّع” (صحيح ابن حبان)، من هذا الحديث، سأبدأ الكتابة حول موضوع التربية تحت عنوان: على خطى تربيةٍ ناجحة، مع التركيز في كل شهر على موضوع معين يخدم هذه الفكرة، رغبة في الوصول إلى النجاح في هذه المهمة الشريفة، وسعياً للأخذ بيد أولادنا وبناتنا إلى النجاح في الدنيا وإلى النجاح في الأُخرى بإذن الله.

 

ولأن فاقد الشيء لا يعطيه، وحتى لا نكون ممن قال الله فيهم: “أتأمرون الناس بالبِرِّ وتنسون أنفسكم” (البقرة: ٤٤)، لا بد أن نتفق على تربية أنفسنا قبل أن نسعى لتربية أبنائنا، لذلك حري بنا كمربين، أباءً وأمهات، ومدرسين ومدرسات، حري بنا أن نتمثل بعض الصفات التي تجعل منا نماذج حية للتربية المرجوة التي نريدها في أبنائنا، ليكون هذا أدعى لاستجابتهم لما ننصحهم إليه، ويكون تأثيرنا أبلغَ فيما نحثهم عليه.

 

سنخلص في هذا المقال إلى التعرف على خمس صفات ينبغي على كل من يتبوأ مهمة التربية أن يتمثلها ويقدمها في أبهى وأحلى الصور، وهي على سبيل الذكر لا الحصر، وهي بالطبع الأساس الذي لا بد أن ننطلق منه كمربين في مهمتنا التربوية أولاً، ومن فهمها وترجمها سلوكاً، سَهُلَ عليه أن يحظى بما سواها ثانياً، وإليكم بيان هذه الصفات:

 

  • أولاً: الإخلاص:

الإخلاص لله أولاً؛ لأن المسلم متعبد لله في كل أحواله، وقد قال الله معلماً إيانا: “وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين” (البينة: ٥)، ثم علمنا رسول الله ‎ﷺ من بعده: “إنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ” (صحيح النسائي)؛ فالمربي يبحث عن نتيجة مرجوة لدى أبنائه ليكونوا صالحين، ولا شك فهذا بحد ذاته ثمرة وعطية تُغني عن كل شيء، لكنه في سبيل الوصول إليها يكون مأجوراً، كيف لا وهو يتعبد الله بالإخلاص في هذه المهمة؟.

 

ثم الإخلاص للأولاد ثانياً؛ حتى يشعروا باهتمامك في تربيتهم، وأنك إنما تقوم بهذا لأجل مصلحتهم قبل كل شيء، وإلا لو شعروا بأن هذا أمر تقوم به وكأنه مجرد عبء ترميه عن كاهلك، فلن تجد منهم إلا التحدي والتمادي في مخالفة ما تأمرهم إليه، وارتكاب ما تنهاهم عنه.

 

  • ثانياً: التقوى:

وهو كما ذهب بعض العلماء الربانيين: “ألا يراك الله حيث نهاك، وألا يفقدك حيث أمرك”، وكم في القرآن من مرة قال الله: “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله”؟ وتبرز أهمية التقوى للمربي في كونه القدوة، ومحط أنظار النشء، وهو المثال الذي يُحتذى به سواء في الخير أو في الشر، ثم في كونه المسؤول الأول عن تربية الأولاد، وإذا ما امتنع التقوى وحل الفساد والانحراف، فأنّى للمربي أن ينجح في مهمة التربية؟! وقد قال الله: “إن الله لا يصلح عمل المفسدين” (يونس: ٨١).

 

  • ثالثاً: العِلم:

وما نقوم به في هذه السلسلة من المقالات ليس إلا إثراء لهذه الصفة، فلا بد أن يعلم المربي أصول الحلال والحرام، ومبادئ الأخلاق، وقواعد الشريعة، وأساليب التربية الإسلامية القديمة والحديثة، وينطلق من أساس القرآن المتين، وعلى نور من سنة الرسول الأمين، متزيناً بأمثلة من النجاحات لدى الرعيل الأول من الصحابة والتابعين، ممن نجحوا في الدنيا ونحسبهم ملكوا الآخرة… فالعلم يدلك كيف فعلوا، ولمَ نجحوا، فتأخذ منهم الدروس والعبر، وتعكس ذلك أساليب وخطوات عملية في رحلة تربية أبنائك. أما إذا تملك الجهل عقول المربين، فلا تنتظر جيلاً واعياً، بل سترى جيلاً معقداً متخبطاً، لا يلوي على شيء، يسعى من اللهو إلى اللهو، ولا يرى غاية في عيشه إلا التمتع واللهو، وما خُلق المسلم لأجل هذا، إنما خُلق ليعمر قلبه بالإيمان، وحياته بالعمل، ويكون رائد النهضة والحضارة على نور من الله وبيان من رسول الله ﷺ.

 

  • رابعاً: الحِلْم:

وهذه صفة مهمة تجذب الأبناء تجاه آبائهم، وتقلل الفجوة فيما بينهم، وبها تتم الاستجابة، وفيها تتم المصاحبة، لأجل ذلك كان الحِلم من أجل الأخلاق وأفضلها، كما قال عليه الصلاة السلام لأشجِ عبد قيس: “إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ” (صحيح مسلم)، ولما جاءه الرجل قال أوصني: فقالها مراراً ﷺ: “لا تغضب” (صحيح البخاري)، وفي القرآن: “وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها” (طه: ١٣٢). والحِلْم لا يعني أن المربي لا يكون حازماً صارماً إذا ما احتاج الأمر، بل يجب عليه الموازنة بحسب ما يقتضيه الموقف، يجمع بين هذا وذاك، لا حزماً دائماً ولا حِلماً دائماً.

 

  • استشعار المسؤولية:

وهذه الصفة لا تقل أهمية عن سابقاتها، إن لم تكن هي الدافع لبقية الصفات أساساً، في أن المربي يشعر بمهمته الكبرى أمام الله وأمام الناس، في تربية أبنائه عقدياً وروحياً وفكرياً واجتماعياً وجسمانياً، وهذا الاستشعار يدفعه دائماً لأن يكون مراقباً مصوباً، وموجهاً معلماً، لا غافلاً متساهلاً، يخرج ولده دعياً كسولاً مدللاً لا يحمل هماً ولا غاية، ويكبر على هذه الحال، وتصعب عندها المعاملة والتربية كما لو كان غضاً صغيراً، وهذه مسؤولية حملها الله لكل الآباء والمربين قائلاً لهم: “قُوا أنفسكم وأهليكم ناراً” (التحريم: ٦)، وحديث الرسول ﷺ الذي بدأنا به سلسة هذ المقالات، خير بيان لهذه المسؤولية، لذلك ينبغي أن يكون في أذهاننا حاضراً منهجاً ونبراساً: “إنَّ اللهَ سائلٌ كلَّ راعٍ عمَّا استرعاه: أحفِظ أم ضيَّع” (صحيح ابن حبان).

 

بعد هذه الصفات الخمس، سيتلخص مقالنا في الشهر القادم إن شاء الله حول أنواع التربية المتعددة، بدءاً بالتربية العقدية التي تسعى لغرس قيمة الإيمان بجوانبه المختلفة في قلوب الأبناء حول جلال الله الخالق سبحانه، وتحفيزهم بعد تشبعهم لفكرة العقيدة السليمة إلى الاتباع والطاعة لما يأمر به الشرع الحنيف.

الشيخ جعفر حوى