بسم الله الرحمن الرحيم

علم غريب الحديث … ضوابط الفهم الصحيح لكلام الرسول r (1)

المفهوم، الأهمية، النشأة، والتطور[1]

روى شهر بن حوشب عن عبدالرحمن بن غنم أن رسول الله r قال: “لا يدخل الجنة جواظ، ولا جعظري، ولا العتل الزنيم“. فقال رجل من المسلمين: ما الجواظ الجعظري، والعتل الزنيم؟ فقال رسول الله r: الجواظ: الذي جمع ومنع، وأما الجعظري: فالفظ الغليظ، قال الله تعالى: “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159]، وأما العتل الزنيم فشديد الخَلق، رحيب الجوف، مصحح، أكول شروب، واجد للطعام، ظلوم للأنام”[2].

تتضمن الرواية أعلاه مثالا على ما يعرف عند المتخصصين بـ “غريب الحديث”، وهي الكلمات والعبارات التي تخفى معانيها على معظم السامعين، وقد تم تأسيس علم متكامل ضمن منظومة علوم الحديث يُعنى بتقصى أمثال هذه الكلمات والعبارات وتحديد معانيها، وهو العلم المعروف بـ “غريب الحديث”، والذي سيكون موضوع مقالتي هذه.

كثيرة هي العلوم التي قامت على خدمة السنة النبوية، وتأسست بهدف حماية الحديث النبوي، سندا ومتنا، من كل ما قد يتطرق إليه من الدسّ والتدليس سواء على مستوى الرواية، أو على مستوى الدراية والفهم والاستنباط[3].

ومن أهم هذه العلوم: علم “غريب الحديث”، وهو العلم الذي يهتم باستقصاء وبيان ما يخفى معناه من ألفاظ الحديث النبوي، من خلال الكشف عن معانيها، وشرح غوامضها، وتوضيح المراد بها[4].

وتكمن أهمية هذا العلم في تحقيق الفهم الصحيح لحديث الرسول r، والتوقي عن وقوع الخطأ في فهم معناه، أو حصول الخلل في إدراك مراده. ولذلك فإن الإلمام بهذا العلم مطلب ضروري، والجهل به قبيح في حق أهل العلم عامة، وأهل الحديث خاصة، على حد تعبير ابن الصلاح[5].

ونظرا لما يتضمنه هذا العلم من الأهمية الفائقة، فقد أولاه العلماء عناية خاصة، وكانت بداياته منذ العهد النبوي، حيث قام الرسول r بتفسير وتوضيح ما يغمض على الصحابة من معاني الكلمات المبهمة، ثم سار أصحابه على نهجه من بعده، شارحين ومفسرين لما قد يشكل من معاني حديث، إلا أن الحاجة زادت إلى هذا العلم قد ازدادت مع دخول الأعاجم في الإسلام، وتطرق الفساد إلى اللسان العربي، مما تطلّب تدوين هذا العلم، والتصنيف فيه بشكل منهجي، فشهدت أواخر القرن الثاني، وأوائل القرن الثالث الهجريين، الأعمال الأولى للتأليف في هذا العلم[6].

على أن الخوض في هذا العلم ليس بالأمر الهين، كما يقول ابن الصلاح، والخائض فيه حقيق بالتحري جدير بالتوقي. وهو يتطلب – فيما يتطلب – أن يكون الخائض فيه ملما إلماما تاما باللغة العربية، متبحرا في مفرداتها ومعانيها وأساليبها.

ومن هنا نجد أن العلماء المتبحرين في لغة العرب، هم الذين قد تولوا زمام هذا الأمر، حتى أصبحوا المرجع في هذا الميدان، الذين يحيل عليهم المحدثون في شرح وتفسير غريب الحديث. فهذا شعبة بن الحجاج،  وهو أحد كبار المحدثين، يُسأل عن معنى لفظة في الحديث فيقول: خذوها عن الأصمعي؛ فإنه أعلم بهذا منا[7].

ولما سئل الإمام أحمد عن حرف من غريب الحديث، قال: سلوا أصحاب الغريب، فإنى أكره حتى أن أتكلم فى قول رسول الله r بالظن فأخطئ[8].

على أن المعرفة بلغة العرب، والتبحر فيها، لم يعتبر كافيا للخوض في شرح معاني الحديث النبوي، وتوضيح المراد بها، ولذلك فإننا نجد إماما متبحرا من أئمة اللغة كالأصمعي، يأبى أن يفسر معاني حديث الرسول r اعتمادا على ما لديه من المعرفة العميقة باللغة العربية وحدها، عندما سئل عن تفسير قول رسول الله r: “والجار أولى بسقبه” فيقول: أنا لا أفسر حديث رسول الله r، ولكن العرب تزعم أن السقب: الَّلزيق[9].

وهذا الموقف من الأصمعي، على فضله وإمامته في اللغة، يدلنا على أن المعرفة باللغة العربية وحدها غير كاف في تفسير الحديث النبوي، وإنما يتطلب الأمر ما هو فوق ذلك، من التضلع بعلوم الشريعة، ومعرفة مرادات الشارع بالألفاظ التي يوردها سواء في الكتاب أو السنة.

ويزيد الإمام السخاوي هذا الأمر توضيحا بقوله: ولا يجوز حمل الألفاظ الغريبة من الشارع على ما وجد فيه أصل كلام العرب (دائما)، بل لابد من تتبع كلام الشارع والمعرفة بأنه ليس مراد الشارع من هذه الألفاظ إلا ما فى لغة العرب، وأما إذا وجد فى كلام العرب قرائن بأن مراده من هذه الألفاظ معان اخترعها هو فيحمل عليها ولا يحمل على الموضوعات اللغوية، كما هو فى أكثر الألفاظ الواردة فى كلام الشارع، وهذا هو المسمَّى عند الأصوليين بالحقيقة الشرعية[10]. وفيما سيأتي إيراده من الأمثلة توضيح لهذه النقطة.

وبناء على ما سبق، فإننا نجد أن العلماء الذين تصدوا لدراسة هذا العلم، والتصنيف فيه، قد جمعوا بين علوم اللغة والشريعة، كأبي عبيد القاسم بن سلام صاحب كتاب “غريب الحديث” الذي أفنى عمره في تأليفه، وابن قتيبة الدينوري صاحب كتاب “المشتبه من الحديث والقرآن”، ثم الزمخشري صاحب كتاب “الفائق في غريب الحديث”، وانتهاء بابن الأثير صاحب كتاب “النهاية في غريب الحديث والأثر”، والذي يعتبر أجمع ما ألف في هذا الباب، حتى إن العلماء من بعده إنما اشتغلوا بكتابه هذا شرحا وتذييلا واختصارا[11].

كانت هذه نبذة موجزة عن هذا العلم النفيس، توضح مفهومه، وأهميته، وشروط الاشتغال به، مع التعريف ببعض أبرز أعلامه، وأهم مصنفاتهم فيه. وفي المقالات القادمة سأتطرق بمزيد من التفصيل – إن شاء الله – إلى أسباب وقوع الغرابة في ألفاظ الحديث البوي، سواء كانت أسبابا ذاتية أو خارجية، مع إيراد عدد من الأمثلة التي تتضح بها معالم هذا الموضوع بشكل أكبر إن شاء الله.

والله ولي التوفيق.

الشيخ الدكتور هيثم زماعرة

[1]  تنويه هام: تم الاستفادة في هذه المقالة من مقالة بعنوان: الحديث الغريب وغريب الحديث – لقمان عبد السلام، على موقع إسلام أونلاين، مما يقتضى التنويه.

[2]  أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ص 3309، كما أورده القرطبي 18/233 في تفسيره عن ابن مسعود t، وذكره الثعلبي عن شداد بن أوس وأنه هو السائل، وأصله في سنن أبي داود (4231) وابن أبي شيبة (24819) وأبي يعلى (1446) من حديث حارثة بن وهب.

[3]  وقد تطرقت إلى هذه العلوم بإيجاز في مقالة سابقة.

[4]  صبحي الصالح: علوم الحديث ومصطلحه 112-113، مناع القطان: مباحث في علوم الحديث ص75.

[5] معرفة أنواع علوم الحديث. ص:272

[6]  مناع القطان: مباحث في علوم الحديث ص75.

[7]  فتح المغيث 2 / 32.

[8] معرفة أنواع علوم الحديث. ص:272

[9] معرفة أنواع علوم الحديث. ص:272

[10]  فتح المغيث 2 / 33.

[11]  صبحي الصالح: علوم الحديث ومصطلحه 113، مناع القطان: مباحث في علوم الحديث ص75-78.