يحكى أن الإمام الشافعي زار تلميذَه الأمام أحمد بن حنبل يوما، وبات عنده، فلما كان اليوم التالي، سأل الأمامُ أحمد ابنتَه زينت – وكانت امرأة صالحة تقوم الليل وتصوم النهار وتحب أخبار الصالحين والأخيار، وتود أن ترى الشافعي لتعظيم أبيها له – عن ضيفهم، فاستنكرت منه ثلاثة أمور: أنه أكثر في الطعام، ولم يصلّ القيام، وصلى بهم الفجر من غير أن يتوضأ! فلما سأل الأمام أحمدُ ضيفَه عن ذلك قال إنه أكل كثيرا لأنه عرف أن طعام أحمدَ حلال، ولم يقم الليل لأنه قضى ليلته متفكرا في حديث من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسم، ففتح الله عليه فيه باثنتين وسبعين مسألة من علوم الفقه استنبطها منه، فحال تفكيره فيها بينه وبين النوم، فلم يحتج أن يجدد الوضوء لصلاة الفجر! فقال الإمام أحمد لابنته: هذا الذي عمله الشافعي الليلة وهو نائم – أي مستلقٍ – خيرٌ مما عملته وأنا قائم! [1]

ويروى أن الحديث الذي استنبط منه الإمام الشافعي هذه المسائل هو حديث “يا أبا عمير ما فعل النغير؟”[2]

ورغم عدم صحة هذه القصة عن الإمامين الشافعي وأحمد[3]، إلا أن استنباط المسائل المتعددة من الحديث المذكور قد حصل فعلا؛ ولكن الذي استنبط فوائد كثيرة من حديث “يا أبا عمير ما فعل النغير” تصل إلى الستين فائدة، هو أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري المعروف بابن القاص الفقيه الشافعي، وليس الإمام الشافعي، وسبب ذلك أن بعض الناس عاب على أهل الحديث أنهم يروون أشياء لا فائدة فيها، ومثَّل لذلك بحديث أبي عمير هذا، فقال ابن القاص إن في هذا الحديث من وجوه الفقه وفنون الأدب والفائدة ستين وجهًا، وقام بجمعها في جزء مفرد[4].

إن استنباط الفوائد العديدة، والمسائل المتنوعة، من الأحاديث النبوية، ليس بالأمر الغريب على علماء الحديث النبوي، فقد أفنى كثير منهم أعمارهم في دراسة هذه الأحاديث سندا ومتنا، إلا أن الدراسة المتكاملة للحديث النبوي من مختلف جوانبه الإسنادية والمتنية، اللغوية والفقهية والعقدية والسلوكية، يتطلب تضلعا – لا في علوم الحديث فقط – وإنما في مختلف العلوم والمعارف الشرعية، ولذلك تعتبر مثل هذه الدراسات غاية المنتهى في دراسات الحديث النبوي، بحيث لا يتصدى لها إلا الجهابذة المتبحرون من العلماء الموسوعيين.

وقد أطلق العلماء والباحثون المعاصرون على هذا النوع من الدراسات الحديثية اسم الحديث التحليلي، وهو – كما يدل عليه الاسم – يتضمن دراسة تحليلية تفصيلية، ومتكاملة في نفس الوقت، لمختلف جوانب الحديث إسنادا ومتنا.

وسوف أتطرق في هذه المقالة إلى هذا الفرع من فروع الدراسات الحديثية، معرفا به وبأهم معالمه.

يعرّف بعض الباحثين المعاصرين علمَ الحديث التحليلي بأنه: العلم الذي يُعنى بدراسة الأحاديث النبوية دراسة تفصيلية متكاملة سواء من حيث الإسناد أو المتن (الرواية والدراية)، مع استنباط الفوائد من هذه الأحاديث وربطها بالفنون والعلوم الأخرى[5].

فهذا العلم كما يتبين من تعريفه يقدّم دراسة متكاملة حول الأحاديث النبوية، سواء من النواحي الإسنادية، كالرواة، وأحوالهم جرحا وتعديلا، ومدى اتصال أسانيدهم، وما لها من الطرق والشواهد والمتابعات، وتخريجها من مصادر الحديث المعتمدة، والحكم عليه صحة وضعفا، إلى غير ذلك من جوانب دراسة الإسناد، كما يدرس الحديث من حيث المتن، سواء ما يتعلق باللغة والغريب، وشرح الألفاظ والمفردات، وما فيه من مشكل الحديث ومختلفه، وناسخه ومنسوخه، وما قد يكون فيه من علل الإسناد والمتن، ثم ينتقل إلى ما يستنبط من الحديث من الفوائد على مستوى العقيدة، والفقه، والأخلاق والآداب، والتزكية والسلوك، إلى غير ذلك من الفوائد التي تمتد إلى مجالات الفكر والسياسة والاقتصاد وغيرها.

ولا شك أن مثل هذه الدراسة المتكاملة لا يتأتى إلا بعد التمكن من علوم الحديث المختلفة، إضافة إلى علوم اللغة والفقه والأصول والعقيدة.

ورغم حداثة هذا الفرع من العلوم الحديثية، إلا أن جذوره ممتدة في التراث الإسلامي، وصولا إلى العصور الأولى؛ العصر النبوي، وعصر الصحابة والتابعين، وأوائل الأئمة المجتهدين، غاية ما في الأمر أن أهل العلم في تلك العصور لم ينشغلوا بالتأليف وتقرير قواعد العلوم، التي انشغل بها المتأخرون، ولعل أول من أسس لهذا العلم بشكل علمي منهجي هو الإمام الشافعي، خاصة في كتابه (الرسالة) الذي قرّر فيه قواعد فهم السنة النبوية وضوابط الاستنباط منها.

كما أننا نجد في صنيع أئمة الحديث، ضمن تراجم أبوابهم وعنواينها، ما يدل على استنباطاتهم الخاصة من هذه الأحاديث، سواء على مستوى المتن أو الإسناد، كما نشهده في استنباطات الإمام مالك في موطأه، وصنيع الإمام البخاري في تراجم أبواب صحيحه، وعناوين أبواب صحيح ابن خزيمة، وكتاب ابن حبان “التقاسيم والأنواع” على الأوامر والنواهي، وغيرها من مؤلفات ذلك العصر[6].

إلا أن أبرز تجليات هذا العلم – بمفهومه المعاصر – تظهر لنا في كتب “الشروح الحديثية”، سواء كانت هذه الكتب شروحا لأمهات الجوامع الحديثية؛ كشروح الموطأ؛ وعلى رأسها “التمهيد” و”الاستذكار”، لابن عبد البر، وشروح صحيح البخاري؛ كـ “فتح الباري” لابن حجر، و “عمدة القاري” للعيني، وشروح صحيح مسلم، كشرح النووي، والمازري وتكملته للقاضي عياض، وشروح السنن، كـ “عون المعبود شرح سنن أبي داود”، و”عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي”، و “حاشية السندي على سنن النسائي”، و “مصباح الزجاجة شرح سنن ابن ماجة”، ونحوها من كتب الشروح على أمهات كتب الحديث، أو كانت شروحا لحديث بعينه، أو لمجموعة معينة من الأحاديث، كشرح ابن تيمية لحديث “الأعمال بالنيات”، وشرح ابن رجب لحديث “من سلك طريقا يلتمس فيه علما”، وشرح الشوكاني لحديث “من عادى لي وليا”.

ولعل من أشهر الأمثلة على هذا النوع من الشروح: شروح الأربعين النووية، وعلى رأسها شرح ابن رجب “جامع العلوم والحكم بشرح خمسين حديثا من جوامع الكلم” والذي استفاض في شرح كل حديث منها شرحا وافيا من مختلف النواحي الإسنادية والمتنية.

وإن ما سبق ذكره أعلاه من المؤلفات، وغيرها كثير مما يضيق عن ذكره هذا المقام من الشروح التي درست أحاديث هذه الكتب دراسة مستوفية، إسنادا ومتنا، بتخريج الأحاديث ودراسة أسانيدها، ودراستها من مختلف النواحي اللغوية والأصولية والفقهية إلى غير ذلك من جوانب دراسة الأحاديث النبوية، على اختلاف في المنهجية بين مؤلف وآخر بحيث شكلت هذه الشروح – على اختلاف منهجيات مؤلفيها – تعتبر ميدانا للتطبيق العملي لعلوم الحديث المختلفة، المتصلة بالسند والمتن[7].

أما في عصرنا الحاضر، فقد اتجه بعض المتخصصين إلى دراسة (الحديث التحليلي) سواء من حيث النظرية أو التطبيق، ومن أهم هذه الدراسات على مستوى النظرية: بحث بعنوان “الحديث التحليلي – دراسة تأصيلية”[8]، للدكتور عاصم القريوتي، أما من ناحية الجانب التطبيقي، فمن أجود ما وقعت عليه يداي من المؤلفات في ذلك كتاب (محاضرات في الحديث التحليلي)، لأبي لبابة الطاهر حسين، رئيس جامعة الزيتونة سابقا.

وإننا في قسم الدراسات الإسلامية في مسجد أورلاند بارك، وضمن مشروعنا العلمي الأكاديمي الواعد، كنا قد أطلقنا مساق (علوم الحديث) إضافة إلى برنامج حفظ ودراسة (المنظومة البيقونية)، والذي قمنا فيه بدراسة مفهوم الحديث والسنة النبوية، وحجيتها، وأنواع الحديث النبوي، من متواتر وآحاد، وصحيح وحسن وضعيف بأنواعه، وقدسي ومرفوع وموقوف ومقطوع، ومسند ومتصل إلى غير ذلك من أنواع الحديث المختلفة، إضافة إلى التطرق إلى العلوم المختلفة المتعلقة بالحديث النبوي، سندا ومتنا، كعلم المصطلح، والرجال، والجرح والتعديل، وغريب الحديث، ومختلفه، ومشكله، وناسخه ومنسوخه، وعلله، مع دراسة أنواع المصنفات الحديثية من صحاح وجوامع وسنن ومسانيد وموطآت ومستدركات ومستخرجات وأجزاء، مع كيفية تخريج الأحاديث ودراسة الأسانيد، واستخدام الوسائل والتقنيات الحديثة التي تعين على ذلك، وأخيرا وليس آخرا تطرقنا إلى توضيح العلاقة بين الحديث النبوي والعلوم التجريبية، كما خصصنا ما يعرف بـ (الطب النبوي) والموقف منه بمزيد من الإبانة والتوضيح. وقد حاضر في هذا المساق نخبة من الأساتذة المتخصصين، والباحثين المتمكنين، سواء من العاملين في مسجد أورلاند بارك، أو من الأساتذة الضيوف من داخل الولايات المتحدة وخارجها، والذين ساهموا – جزاهم الله خيرا – في إنجاح هذا المساق على الوجه المأمول.

وبناء على ما سبق، وتأسيسا على ما تم تحقيقه في المساق السابق، فإننا سنخطوا خطوة أخرى للأمام، حيث سنطرح مساق (الحديث التحليلي)، والذي يعتبر الجانب التطبيقي لعلوم الحديث، ليكون أول مادة من مواد السنة الثانية (ضمن الخطة الأكاديمية) التي نطرحها، حيث سنقوم في هذا المساق – بعد التعريف بعلم الحديث التحليلي ودراسة تاريخه وأهم علمائه والمؤلفات فيه – سنقوم بدراسة مجموعة مختارة من الأحاديث النبوية، دراسة تفصيلية تحليلية شاملة، تتضمن:

دراسة إسناد كل حديث من حيث:

  1. تخريج الحديث، وعزوه إلى مصادر الحديث المعتمدة.
  2. دراسة رواة الحديث، والتعريف بهم وبيان وأحوالهم جرحا وتعديلا.
  3. دراسة طرق الحديث وما له من المتابعات والشواهد.
  4. الحكم على الحديث من حيث الصحة والضعف، والقبول والرد.

دراسة متن كل حديث من حيث:

  1. شرح المفردات اللغوية، وبيان غريبه.
  2. بيان المعنى الإجمالي للحديث.
  3. بيان سبب ورود الحديث إن وجد.
  4. توضيح ما قد يرد في بعض الأحاديث من أوجه التعارض والإشكال، وبيان الناسخ والمنسوخ.
  5. بيان ما يستفاد من الحديث من الفوائد العلمية، سواء على مستوى العقيدة، والفقه، والسلوك، والأخلاق والآداب، والفكر، والتربية، والسياسة وغيرها من المجالات.

وأخيرا: فإننا نهدف في هذا المساق إلى تدريب طلابنا على تطبيق ما تعلموه في المساق السابق، بحيث يُكلف كل منهم ببحث حديث واحد، بحثا مستوفيا لجميع الجوانب السابقة، وتقديم ملخص لزملائه يعرض فيه ما توصل إليه من خلال دراسته لذلك الحديث.

كما أننا سنقدم هذا المساق – ولأول مرة – مدمجا بمساق (علوم الحديث) باللغة الإنجليزية للطلاب الناطقين بها، بحيث يتحصل الدارس لهذه المادة على مساقين اثنين في مادة واحدة، وهي فرصة سانحة لكل من يهتم بالتعرف على علوم الحديث الشريف، وكيفية دراستها دراسة تفصيلية متكاملة، من الإخوة والأخوات الناطقين باللغة الإنجليزية.

نسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

الشيخ الدكتور هيثم زماعرة

[1] اشتهرت هذه القصة لدى العديد من الدعاة والقصاص، رغم بطلانها وعدم صحتها، كما سيأتي.

انظر: https://majles.alukah.net/t175108/

[2] أخرج هذا الحديث البخاري في صحيحه (5850) ومسلم في صحيحه (2150).

[3] ومن أدلة بطلانها أن الشافعي توفي سنة 204 هـ، بينما لم يتزوج الإمام أحمد – الذي ولد سنة 164 هـ – إلا بعد الأربعين من عمره، كما نقل عنه تلميذه المروذي، أي أنه لم يتزوج إلا بعد وفاة الشافعي، فضلا عن أن يكون له ولد قبل ذلك، كما أن الإمام أحمد لم يرزق إلا ببنت واحدة، اسمها زينت، من جارية له اسمها حُسْن، تسرى بها بعد وفاة زوجتيه أم صالح ثم أم عبد الله، وذلك بعد سنوات من وفاة الشافعي رحمه الله.

انظر: مشكلات شرح الحديث التحليلي وحلها – د. وائل ردمان ص37-38 (الحاشية 3)، وكذلك الرابط: https://majles.alukah.net/t175108/

[4] ابن حجر: فتح الباري 10/ 586، فوائد من حديث “يا أبا عمير” على شبكة الألوكة، الرابط: https://www.alukah.net/sharia/0/84965/، أكثر من ستين فائدة من حديث يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ – موقع صيد الفوائد، الرابط: http://www.saaid.net/bahoth/153.htm

[5]  يُنظر في تعريف علم (الحديث التحليلي): عاصم القريوتي: الحديث التحليلي – دراسة تأصيلية، بحث منشور في مجلة (سنن)، العدد 2، رجب 1432 هـ، ص186، رائد العبيدي: الحديث التحليلي – دراسة تأصيلية تطبيقية ص11، سندس العبيد: الحديث التحليلي دراسة تأصيلية ص34.

[6]  عاصم القريوتي: الحديث التحليلي – دراسة تأصيلية ص187 مع تصرف وزيادة.

[7]  عاصم القريوتي: الحديث التحليلي – دراسة تأصيلية ص188، عبد السميع الأنيس: منهج البحث في الحديث التحليلي بين الأصالة والمعاصرة ص 10 وما بعدها.

[8]  منشور في مجلة (سنن)، العدد 2، رجب 1432 هـ، ص181 – 245.