بسم الله الرحمن الرحيم

علوم الحديث (المصطلح): العلم الذي تميّز به المسلمون وحفظوا من خلاله سنة رسولهم ﷺ.

“الحديث ليس حجة شرعية … القرآن هو الحجة فقط”، “معظم الأحاديث غير ثابتة”، “صحيح البخاري ليس صحيحا”، “لا ثقة برواة الحديث ونقلته”، “أحاديث الرسول ﷺ لم تدوّن في حياته”، “أبو هريرة اخترع الكثير من الأحاديث من عنده”!

ما سبق إيراده عبارة عن بعض الدعاوى والافتراضات التي يخرج علينا به بعض المتعالمين من “العقلانيين” و “أشباه المثقفين” محاولين هدم ما قرره العلماء المسلمون من منهجية متكاملة للتعامل مع أحاديث الرسول ﷺ وما وضعوه من القواعد والقوانين التي تضبط قبول هذه الأحاديث وردّها وفق مناهج تم تقريرها واختبارها على مدى مئات السنين.

وتكمن الخطورة في مثل هذه الدعوات والافتراضات في كونها تطعن في حجية ومصداقية المصدر الثاني من مصادر الدين الإسلامي، سواء على مستوى العقيدة، أو التشريع، أو الأخلاق والآداب، أو القصص والأخبار والغيبيات، مما يترك فراغا هائلا في هذه المجالات، كون السنة النبوية تتكفل بمهمة توضيح كثير مما ورد في القرآن الكريم، وتفصيله وشرحه، والبناء عليه، بل وإصدار أحكام وتشريعات مستقلة، لم يرد لها ذكر في القرآن الكريم أصلا.

والحقيقة التي لا يتأتى إنكارها: أننا لا يمكن أن نفهم القرآن بالشكل السليم، ولا أن نطبق أوامره وأحكامه دون الرجوع إلى السنة النبوية، التي تشكّل الشرح الأفضل والفهم الأمثل لآيات القرآن الكريم.

فعلى سبيل المثال: لم يرد في القرآن أية تفاصيل بخصوص كيفية إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة التي أمر بها القرآن، بينما وردت التفاصيل الدقيقة لهاتين العبادتين الأساسيتين في الإسلام ضمن أحاديث الرسول ﷺ.

والعجيب: أن مقدمي هذه الدعاوى، والمنادين بها، يعتمدون على افتراضات، بل وتوهمات، لا تثبت عند المناقشة العلمية، وسرعان ما يتبين بطلانها عند مقابلتها بالمنهجية الرصينة التي اتبعها علماء الإسلام في التعامل مع الحديث النبوي الشريف.

إلا أن هنالك جهات معينة، هي جدّ معنية بالتشكيك في السنة النبوية، والطعن في مصادرها ونقلتها، لأغراض معروفة، ليس آخرها تجريد الدين الإسلامي من إحدى أهم مصادره الضابطة لأحكامه وتشريعاته، مما يفتح المجال لكل من هبّ ودبّ أن يقول في دين الله بما شاء، ناسبا ذلك إلى فهمه – السقيم – للقرآن الكريم، وقد حذّرنا الرسول ﷺ نفسه من هذه الظاهرة حين ذكر هؤلاء المتعالمين الطاعنين في السنة، حيث يكون أحدهم جالسا على أريكته، يأتيه أمر رسول الله ﷺ وحديثه فيقول إنه لا يقبل به، ويدّعي أنه لا يقبل إلا بأمر القرآن ونهيه[1]، غافلا أو متغافلا أن القرآن نفسه هو الذي أمرنا باتباع الرسول وجاء عنه، كما في قوله تعالى: “وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا”[2].

وقد انتبه العلماء المسلمون إلى خطورة هذه القضية، فشدّدوا على قضية حجية السنة النبوية، وأن الطعن في حجيتها يفتح المجال لكثير من أصحاب الأغراض الفاسدة أن يفسدوا على المسلمين أمر دينهم ودنياهم، يقول الإمام عبد الله بن المبارك – رحمه الله  – : “الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء”[3].

فإذا أضفنا إلى ما سبق ذكره من الدعاوى الفاسدة، والفرضيات الباطلة، التي نشهدها بين الفينة والأخرى، الانتشارَ الواسع لكثير من الأخبار الواهية والموضوعة المنسوبة إلى الرسول الكريم ﷺ، والتي تلقى رواجا كبيرا على شبكات التواصل الاجتماعي، ويتناقلها الكثيرون جهلا وبحسن نية، غافلين عن مدى خطورتها، وتأثيرها السيء على الأفراد والمجتمعات، فإننا حينئذ نعلم مدى خطورة هذه القضية التي تتطلب التدخل العاجل من العلماء المخلصين، والباحثين المتخصصين.

ولا شك أن التعامل السليم مع مثل هذه الظواهر – سواء كانت عبارة عن دعاوى باطلة تتم إشاعتها بسوء طوية، أو منشورات جاهلة يتم نشرها بحسن نية – إنما يكون من خلال نشر الوعي الصحيح، والتثقيف السليم للأفراد والمجتمعات حول هذه القضايا.

على أن تحصيل المعرفة بهذه القضايا ليس عسيرا، فقد كفانا علماؤنا الأولون كثيرا من المؤنة في هذا المجال، من خلال وضعهم لعلم خاص يعرف بـ (مصطلح الحديث) أو (علوم الحديث).

يعتني هذا العلم بدراسة الحديث الشريف والسنة النبوية من خلال التعريف بها، وتحديد أنواعها، وتقرير حجيتها، وبيان مكونات الحديث الشريف؛ من متن وإسناد، ووسائل نقله وتحمله وشروط ذلك.

كما يهتم بالتعريف بأنواع الحديث المختلفة؛ من مرفوع وموقوف ومقطوع، ومتواتر وآحاد، وصحيح وحسن وضعيف، ومسند ومرسل، ومتصل ومنقطع، ومعضل ومدلَّس ومعلّل ومضطرب ومقلوب وشاذ ومنكر وموضوع، إلى غير ذلك من الأنواع المتعددة، ومدى مقبوليّة كل منها.

كما يتطرق هذا العلم إلى التعريف بأهم رواة الحديث وأعلامه، بدءا من عصر الصحابة فمن بعدهم، وطبقات هؤلاء الرواة، وما وضعه علماء المسلمين من علوم ومعارف، وما صنفوه من مؤلفات للتعريف بهم ودراسة أحوالهم، ككتب التراجم، وعلم الرجال، والجرح والتعديل، وغيرها من العلوم في هذا السياق.

إضافة إلى ذلك فإن هذا العلم يتطرق إلى التعريف بالعلوم والمؤلفات التي تخصصت في توضيح معاني الأحاديث، وشرحها، والاستنباط منها، كعلم (مختلف الحديث)، و(غريب الحديث)، و(ناسخ الحديث ومنسوخه)، و(أحاديث الأحكام)، ونحو ذلك من العلوم.

أخيرا، وليس آخرا، فإن هذا العلم يعرف دارسيه بأهم المصنفات التي تم جمع الأحاديث النبوية فيها، من صحاح، وموطآت، وسنن وجوامع، ومسانيد، ومعاجم، ومستدركات، ومستخرجات، ومصنفات وأجزاء، إلى غير ذلك أنواع المؤلفات المختلفة، التي عنيت بجمع الحديث النبوي وفق مناهج متعددة، حيث يعرّفنا علم (المصطلح) بهذه المؤلفات ومؤلفيها، وطريقتهم في جمع أحاديثها، ومناهجهم المختلفة في ذلك، ويحدد مزايا كل ممنها، وطبقاتها وترتيبها في الحجية والاستدلال، ومدى صحة الأحاديث الواردة فيها، إلى غير ذلك من القضايا الأساسية في التعامل مع هذه المؤلفات وما يرد فيها من الأحاديث والأخبار.

ومما يجدر بنا ذكره في هذا المقام: أن هذه العلوم المتنوعة قد تميّز بها المسلمون على سائر الأمم، فلا تكاد تجد لدى أمة من الأمم مثل هذه المنهجية المتكاملة في نقل أحاديث الرسول ﷺ وتوثيقها والتعامل معها وفق قواعد متكاملة أشبعت بحثا ودراسة وتطبيقا على مدى العصور، حتى قال أبو حاتم الرازي – رحمه الله –: “لم يكن في أمّة من الأمم منذ خلق الله آدم أمّة يحفظون آثار نبيهم غير هذه الأمّة”[4]. فكان حريّا بكل مسلم أن يفخر بهذا العلم الشريف، وأن يوليه عنايته واهتمامه.

ختاما: فإن هذا العلم الممتع هو الذي يمكّن دارسيه من التعامل السليم مع أيّ ادعاء حول حجية السنة النبوية ومصادرها، كما يسهّل عليهم الرجوع إلى المصادر المعتمدة للحديث النبوي ومعرفة المقبول منه من المردود، والصحيح منه من الضعيف، فيعلموا أمور دينهم على بصيرة، ويتبعوا هدي رسولهم ﷺ عن علم ودراية.

ومن هنا: فإننا في (برنامج الدراسات الإسلامية) في (مركز أورلاند بارك الإسلامي) نجد من واجبنا تجاه الراغبين من رواد مسجدنا، ومجتمعنا الكريم، وسائر إخواننا وأخواتنا المهتمين بهذا العلم في أنحاء الولايات المتحدة وسائر المهمتمين بهذا العلم حول العالم، نجد أن من واجبنا تجاههم أن نساهم بدورنا في إتاحة الفرصة لهم للتعرف على هذا العلم، ودراسته بأسلوب شيّق ومبسط، من خلال طرح مساق:

(علوم الحديث)

المقرر ضمن برنامج الدراسات الإسلامية الأساسية، حيث سنتعرف على مباحث هذا العلم المختلفة، والتي ذكرت جملة منها في هذه المقالة، مع ربط ما تركه لنا علماؤنا السابقون واللاحقون من تراث عظيم في هذا المجال بما تقدّمه التكنلوجيا الحديثة من وسائل وأدوات تسهل على الدارسين والباحثين هذه المعارف الجليلة.

هذا مع عدم الاقتصار في دراسة هذا المساق على الجانب النظري، وإنما الانتقال بالدارسين إلى التطبيق العملي لقواعد هذا العلم ومعارفه، من خلال الدراسة العملية التطبيقية لمجموعة مختارة من الأحاديث الشريفة دراسة حديثية نقدية، يطبقون فيها ما تعلموه من قواعد هذا العلم مما يساعدهم في المستقبل على التعامل الصحيح مع الأحاديث والأخبار التي يتعاملون معها.

نسأل الله أن يوفقنا لخدمة كتابه وسنة رسوله ﷺ، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

والله ولي التوفيق.

الشيخ الدكتور هيثم زماعرة

[1]  أخرج الترمذي من حديث أبي رافع وغيره أن رسول الله ﷺ قال: “لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه”. قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح.

وفي لفظ آخر من حديث المقدام بن معدي كرب: أن الرسول ﷺ قال: “ألَا هلْ عسى رجلٌ يبلغُه الحديثَ عنِّي وهوَ متكئٌ على أريكتِهِ ، فيقولُ : بيننا وبينكم كتابُ اللهِ ، فما وجدنَا فيهِ حلالًا استحللنَاهُ ، وما وجدنا فيهِ حرامًا حرمناهُ. وإنْ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ كمَّا حرَّمَ اللهُ”.

وقد صحح الشيخ الألباني هذا الحديث في صحيح الترمذي (رقم: 2663، 2664).

[2]  الحشر: 7.

[3] رواه عنه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه.

[4]  تاريخ دمشق لابن عساكر (38/30)، منهاج السنة النبوية (7/37).