“انظر إليها فإنه أحرى أن يُؤدَم بينكما”، من هذا الحديث الشريف، تلاقت العينان، وخفق القلبان، وتعانقت الأرواح، وأُعلنت الأفراح… “فلم نر للمتحابين مثل النكاح”، صدقت يا رسول الله، وقد قلت إن الزواج من سنتك، ومن رغب عن سنتك فليس منك. ما تزوج أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا كان رسول الله أول المباركين وأكثر الفرحين، وحسب كل متزوج أنه في ذلك يقتفي أثره عليه السلام؛ فخير الأزواج كان محمد صلى الله عليه وسلم، وخير الزوجات كن نساؤه عليهن سلام الله.

يسأل بين الحين والآخر أبناؤنا وشبابنا المقبلون على الزواج، ما هي الأحكام التي يجب عليهم معرفتها ودراستها قبل الإقدام على خطوة جريئة كهذه، فأرد عليهم: قبل معرفة أحكام الزواج لا بد من دراسة أحكام الطلاق! فيتعجبون ويستنكرون؛ يسألون عن الزواج وأجيبهم عن الطلاق!

ويسأل بعض من الإخوة التجار الكرام حول العقود التي يبرمونها مع شركائهم وما هي الشروط المنظمة للعمل التي ينبغي الاتفاق عليها، حتى يعرف كل منهم ما له وما عليه، فأرد عليهم: إن أول ما ينبغي الاتفاق عليه بنود فسخ هذه الشركة، فيتعجبون ويستنكرون؛ يسألون عن البدء في شركة، وأجيبهم عن فسخها!

يُقبل الناس على الشراكة متحمسين لما سيلقون من نجاح بإذن الله، يتأملون خيراً في قابل الأيام، لكن -لا قدر الله- إن نشبت الخلافات فيما بين الشركاء، كيف يكون الحال؟ من يقدر منهم على أن ينهي الأمر بأيسر الطرق وأخفها ضرراً؟ لتنتهي الشراكة، لكن لا تنتهي الصداقة، أو ينتهي الزواج، لكن لا تنشأ العداوة. قلة قليلة من الناس يفعلون، وأعلم أني بهذا مكثرٌ في ظني والله المستعان، لذلك ينبغي على الشركاء الاتفاق على ما قد يختلفون عليه مستقبلاً قبل الاتفاق على أي أمر آخر، ليس تشاؤماً وسوء تقدير، بل وعياً وحسن تدبير.

ولما كان الزواج شكلاً من أشكال الشراكة، فإني أخصص مقالي هذا عن الزواج وبعض الوصايا التي لا بد لكل مقبلَيْن على الزواج من أخذها بعين الاعتبار، ولعلي أرجئ مقال الشراكة المالية لوقت لاحق بإذن الله.

أولاً: لا تتزوج أيها الشاب لأن والديك يريدان ذلك فقط دون رغبة صادقة منك، ومعرفة تامة لما أنت مُقدم عليه من ميثاق غليظ ومسؤولية كبيرة. ليس ثنياً عن الزواج بل دعوة لتحمل تبعاته بأمانة وفهم. وأنتم أيها الآباء لا تثقلوا على أبنائكم بالإصرار عليهم ليتزوجوا رغبة منكم في الفرح ورؤية أحفادكم إلى غير ذلك من الأسباب التي قد تجعل الأبناء يستجيبون ويرضخون لهذه الطلبات، ويظن بعضهم أنه لا بد من الاستجابة لهذا براً بآبائهم وإحساناً إليهم، ويغفلون ربما عن أن هذا أبعد ما يكون عن البر في أمر كالزواج إن هو أفضى إلى زواج فاشل يعاني فيه كل من الزوجين من مشاكل لا عد لها ولا حصر.

ثانياً: لا تتزوج أيها الشاب واحدة لا تكافئ عقلك وهواك، إذا لم تجد ما تتفق عليه مع تلك الفتاة منذ البداية، فلن تجد بعد الزواج من باب أولى ما تتفقان عليه. ما كانت فترة الخطبة ومن بعدها فترة الكتاب إلا لأجل هذا، ليتأكد كل من الطرفين أنهما يصلحان لبعضهما البعض فيكملان رحلتهما بسعادة وهناء. وإن كان لا بد ولم يكن التوافق في أعلى درجاته فلا يكن الفرق كبيراً جداً، فبعض الأزواج من الوعي بمكان للتعامل مع هذا الاختلاف بذكاء عال.

ثالثاً: أيها الآباء، اسألوا عن الشاب قبل الزواج، لا يكفي السؤال عنه في المسجد، الناس في المسجد كلهم أصحاب خير وإحسان، لن يظهر منهم إلا ما هو خير غالباً، المسجد بداية طيبة مباركة للسؤال، لكن لا يكون أول مكان وآخره، لا بد من السؤال عن أصحاب الفتى وعن تعامله معهم وعن أهله وبره بوالديه وحسن عمله مع إخوته وأخواته، مع زملاء دراسته وجيرانه. اسألوا عن الفتاة كما تسألوا عن الفتى، لا يعني أنكم تريدون هذه الفتاة لصفات أعجبتكم ألا تسألوا عنها، فربما غاب عنكم كثير وما وجدتم في حماستكم في طلبها إلا الذي يسركم، فاسألوا وكرروا السؤال فهذا أدعى لعدم الندم مستقبلاً لما قد يقصر فيه أولياء الزوج أو الزوجة في عدم السؤال والإمعان فيه عن الفتاة أو الفتى.

رابعاً: أيها الشباب، الزواج دين، وليس مجرد رحلة عابرة لاثنين، فتعلموا أحكام دينكم ولو بحدها الأدنى… على سبيل المثال: اختلف شاب مع مخطوبته في فترة الخطبة لأنها تخرج من غير إذنه! ليس لك، ما زالت عند والدها ولم تعقد عليها حتى يسري قانونك عليها، فكيف تأمرها وتنهى وهي على ذمة أبيها تقطن تحت سقفه وتصرف من ماله؟ لا يحق لك. آخر طلق مخطوبته بعد العقد وقبل العرس! وجاء يستنجد ما قصدت هذا! والطلاق حينها يكون بائناً، وإن أرادا الرجوع فلا بد من موافقة البنت وإجراء العقد من جديد لدى عاقد شرعي بحضور الولي وموافقته وبمهر جديد وبشهود… إن وافقت تلك البنت أولاً، وأي بنت تود الزواج برجل أسهل ما يكون على لسانه أن يتلفظ بالطلاق وهو لما يتزوج بعد؟ ماذا يفعل بعد الزواج إذن؟ لذلك الأخذ بالعلم الشرعي بأحكام الزواج والطلاق كفيل بحفظ هذه العلاقة بأمر الله من الزلل والخلل.

خامساً: بعد الزواج، لا بد لكل من الزوجين أخذ الوقت الكافي للتعرف على شريك الحياة، أمضى كل منهما في حياته لوحده عشرين عاماً يقل أو يزيد، يشكل شخصيته وأفكاره وطباعه، لا أقل من عام واحد مع الشريك الجديد للتعرف على طباعه وشؤونه وأفضل الطرق للتعامل معه، أعجب أشد العجب لمن يطلق بعد أسابيع أو أشهر قليلة من الزواج دونما سبب قاهر يعذر ذلك، لا تستعجلوا الفراق بل كما أمر الله في سورة النساء: “عاشروهن بالمعروف”، وكما أوصى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: “لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً -أي لا يكره- إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ”، وهكذا الحياة، لن تستقيم لك بكل ما تريد:

وَكَم أَمرٍ تُساءُ بِهِ صَباحاً

وَتَأتيكَ المَسَرَّةُ بِالعَشيِّ

الزواج عماده المودة وهي من أعلى درجات الحب، والحب التضحية؛ بالوقت والمال والنفس والمشاعر، فمن أقدم على الزواج لا بد أن يكون على قدر كاف من التضحية لمصلحة هذا الزواج حتى يكون مباركاً سالماً.

سادساً: اعلم أيها الشاب أن مال الزوجة لها ولا سلطة لك عليه، ومالك لك ولها، فأنت صاحب القوامة، ومطلوب منك النفقة. إن ساهَمَتْ فهذا فضل منها تشكر عليه وتؤجر، لكن ليس لأحد أن يلزمها، ولا أظن البنت الأصيلة إلا مُعينةً لزوجها كريمة في فعلها تجود في إنفاقها، إن اغتنت هي وافتقر هو.

سابعاً: لا تتزوج حتى تكون متأكداً عشر مرات من قرارك، ولا تنجب حتى تكون متأكداً مئة مرة من قرارك. وتذكر أن أول حق من حقوق أبنائك في المستقبل أن تختار أمهم بعناية، انظر إليها: هل تليق لأن تكون أماً بحق؟ وإلا فالإنجاب ما أسهله! ثم أيها الآباء، كونوا مثالاً صالحاً لأبنائكم، أكثر ما يُدمي القلب أن يمتنع الأبناء عن الزواج بسبب المثال الواقع أمامهم من آبائهم وأمهاتهم وما يلقون من مناكفات ومشاكلات بين بعضهم في كل يوم. إذا أردت لأولادك زواجاً ناجحاً، كن أنت ذلك الزواج الناجح، أنت وزوجتك، ثم هم سينجحون.

هذه سبع، أوردتها لكم، لعل فيها نفعاً وخيراً كثيراً، وغيرها كثير كثير، لكن لما كانت هذه أقرب إلى المسلمات والتي لا يسع الجهل فيها كان لزاماً عليَّ التذكير بها لتِعِيَها أذن واعية، والله ولي التوفيق، فاسألوه التوفيق في أموركم أولاً وآخراً.

الشيخ جعفر حوى