كنت قد بدأت سلسلة غير دورية سميتها: “على خطى”، ونويت أن أطرق فيها أبواباً يسعى المرء فيها إلى التميز والنجاح، وكان أولَ ما طرقته سابقاً: على خطى زواج ناجح، وفي هذا المقال سأتحدث عن الشراكة المالية، على خطى شراكة ناجحة، لنصل بشراكاتنا المالية إلى النجاح والتميز، وهذا ما ينبغي على كل مسلم أن يسعى إليه، ولا أن يرضى بما هو دونه؛ ففي هذا عبادة لله إن خلصت النية لله.

 

سأتحدث حول نقاط أربع، هي في الحقيقة آداب وقواعد للشراكة بشكل عام، وهي في نظري أهم ما ينبغي الالتفات إليه عند القيام بشراكة مالية مع أحد ما، من وجهة نظر شرعية، لا جدوى اقتصادية، لعل الشراكة تقوم ببسم الله، وتحظى ببركة الله.

 

قبل تعداد هذه النقاط الأربع، أذكر قاعدة تحسم الكثير من الخلافات إذا ما طُبقت في شراكاتنا المبرمة، وأرجو أن تكون محط اهتمامكم وهي: ينبغي على الشركاء الاتفاق على ما قد يختلفون عليه مستقبلاً، قبل الاتفاق على أي أمر آخر، ليس تشاؤماً وسوء تقدير، بل وعياً وحسن تدبير.

 

آداب الشراكة:

أولاً: لا بد لهذه الشراكة أولاً أن تكون في حلال، فلا يُرتجى الخير ممن قارب الحرام، كما أخبر النبي ﷺ في علامات اليوم الآخر، قال: “يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ أَمِنَ الْحَلَالِ أم من الْحَرَام“، وقد يتذرع البعض بالربح الكبير، وإن أتى من الحرام، فأقول لهؤلاء: الحرام حرام، ولو كان الربح هو المعيارَ الوحيدَ لكان القمار حلالاً مثلاً، لكنه لم يكن يوماً، أو لكانت السرقة حلالاً مثلٌ آخر، لكنها لم تكن يوماً. الحرام عاقبته وخيمة، ولا شك يعود وبالاً على ثروة صاحبه، وصحته، وأهل بيته، واطمئنانه وراحة باله، والأهمُ من كل هذا، يُدمر آخرته، كما يذكر الحديث الشريف: “كلُّ لحمٍ نبَتَ منَ السُّحْتِ كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ“، نسأل الله العافية والسلامة.

 

ثانياً: ينبغي أن تُبنى هذه الشراكة على طاعة الله، لا أن تُشغِل عن الله، بل هي في حد ذاتها طاعة إذا ما نوى الشركاء ذلك، كما وصف الله عمار المساجد في سورة النور، قائلاً: “رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ” (النور: ٣٧)، أو كما أقر سبحانه في سورة الجمعة: “قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ” (الجمعة: ١١). يذكر قدوة المفسرين قتادة رحمه الله، أحد كبار المفسرين في القرن الهجري الأول، في تفسير هاتين الآيتين، يقول: “كَانَ الْقَوْمُ يَتَبَايَعُونَ، وَيَتَّجِرُونَ، وَلَكِنَّهُمْ إِذَا نَابَهُمْ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ لَمْ تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ“، يذَكِّر كل من الشركاء صاحبه بالصلاة، ويتناصحون في التحذير من الوقوع في الحرام.

 

ثالثاً: هذه الشراكة تتم مع الله، ومن تاجر مع الله ربح دائماً، وهذا مشروط بحديث رسول الله ﷺ: “قَالَ اَللَّهُ: أَنَا ثَالِثُ اَلشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا”، فإذا ما حافظ كل من الشركاء على الصدق والأمانة فيما بينهم، رافقتهم معية الله، وإلا سُلبتِ البركة، وزرع الشيطان بينهم الخلاف والنزاع، ومآل ذلك إلى الخسران، أو إلى مكاتب المشايخ للاحتكام، أو إلى القضاة، وانتظار الأحكام.

 

رابعاً: لا بد أن يقوم الشركاء جميعاً بأداء حقوق الله عليهم، من زكاة وصدقة، مما يجلب البركة عليهم، ويعود بالنفع على مجتمعهم، ولو نظرنا إلى نظام الزكاة لعلمنا النفع الذي يتلقاه أصحاب الأموال لو أنهم أدوا زكاة أموالهم، سيعود ذلك عليهم ربحاً ومزيد عمل؛ إذ أن الفقير في آخر المطاف سيبث ماله الذي تلقاه من الزكاة في السوق، وهذا يدفع بالسوق كله إلى الانتعاش. أضف إلى ذلك أن الله وعد بأن يعوض المال الذي يدفعه صاحبه من زكاة أو صدقة كما في سورة سبأ: “وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ” (سبأ: ٣٩).

 

هذه نقاط أربع، لمن أراد على عرش النجاح في شركته أن يتربع، قد لا تربح ما كنت إليه تطمح، لكنك لا شك بهناء البال تفرح، ورضا ربك الرحمن تحظى، ويحميك في الأخرى من نار لظى.

 

الشيخ جعفر حوى