كما أن لكل علم من العلوم رجاله وثقاته، ولكل صنعة محترفوها ومرتادوها، ولكل فن أهله وجماهيره.. فإن لعلم الله وكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم رجاله الثقات، وعلماؤه الدعاة، الذين أفنوا حياتهم يتذوقون كتاب الله وآياته، يتعرفون على حكمه وأحكامه، ويقتفون أثر أنبيائه وأوليائه، يأنسون بسيرة حبيب الحق وسيد الخلق صلى الله عليه وسلم، يحفظون حديثه، ويدرسون فهم صحابته ومن تبعه، حتى يصوغوا للأمة ما يكون عوناً لها في الدنيا، وجسراً سليماً آمناً تعبر منه للأخرى، لا يأل الواحد منهم جهداً في إيضاح مسألة، والاجتهاد في موقعة طرأت للأمة، حتى يزيل الغمامة بعون الله، وعلم الله، وما آتاه الله من الفهم والبيان، فيكون الواحد من هؤلاء ربانياً عالماً، قذف الله نور العلم في فؤاده، وألهمه سبل التوفيق والرشاد في حياته، تماماً كما أراد لهم سبحانه: “وَلَٰكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ” (آل عمران: 79). وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، ” يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ” (البقرة: 269). وما حرم الله جيلاً من الأجيال أمثال هؤلاء العلماء العاملين. كما تعهد سبحانه بحفظ كتابه، فقد حفظ لنا الفهم الصحيح لكتابه ولسنة نبيه صلى الله عليه وسلم بأمثال هؤلاء العلماء، والحمد لله.

لا شك أن كل واحد مناعرضت له مسألة يوماً، وأشكل عليه أمرها، فما كان منه إلا أن سأل واستعلم، سأل من يثق بدينه وعلمه، لعله يصل إلى قرار صائب ولا يقع في الحرام، وهذه سنة الله، فالعلم رزق، فضل الله به الناس بعضهم على بعض، “فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” (الأنبياء: 7)، ولا حرج في ذلك ولا خطأ، لكن الخطأ الذي يبرز لنا اليوم، ويتكرر بكثرة، ويتفشى بين الناس، أن يأتي السائل، ويسأل شيخاً أو عالماً أو فقيهاً، ثم إذا ما تحصل على إجابة، جادل في الجواب وأنكر، طمعاً في الوصول إلى إجابة يرغبها، فإذا ما فشل في تغيير إجابة هذا الشيخ أو العالم، ذهب إلى آخر وسأله ذات السؤال، وقد يجيبه بذات الإجابة، وقد يجيبه بأخرى، وهنا تبرز مشكلة أخرى، فيجري ذلك السائل في المجالس قائلاً: كأن لكل منهما دين يختلف عن الآخر! وما علم أن الاختلاف إنما كان لرحمة الله بالناس، “يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ” (البقرة: 185)، و”مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ” (الحج: 78)، وقد يجيبه الشيخ بإجابة مغايرة تماماً، فيقول له السائل: لكن الشيخ الفلاني قال كذا وكذا.. وكأنه يفاصله في الجواب، ويتنقل هكذا من شيخ إلى آخر ويعيد سؤاله، ويقلب ألفاظه ويغيرها، لعله يشكل على الشيخ حتى يجيبه بما يريد، هدفه أن يسمع تلك الإجابة التي ربما تحلل له أمراً نهى عنه الشرع أو حذر منه، هدفه أن يقلب حقيقة أمر ما مع أخيه في ميراث أو مع زوجته في زواج أو طلاق أو مع شريكه في شركة أو تعاملات.. هدفه أن يضع المسؤولية في رأس عالم وأن يخرج منها سالم! اتق الله يا هذا، ربما تسلم في الدنيا أمام الناس، وتقول لهم أفتاني فلان، ولكنك والله لن تسلم عند من لا تخفى عنده خافية، عند من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، عند البصير الذي يراك، والعليم الذي يعلم سرك ونجواك، ليكن هدفك الوصول للحق، وإقامة شرع الله في نفسك، ليكن قانونك في حياتك كما أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابي وابصة: “يا وابصة استفت قلبك واستفت نفسك، البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك” (مسند أحمد)، صدقني لست تقدر على عذاب ضميرك إن أخذت حق غيرك بفتوى صغتها على مقاسك، أو بفرية افتريتها على إخوانك، صدقني لن تصفو لك الحياة بعدها، والحياة أخذ ورد، وعطاء ودين، وكما تدين تدان، والحياة يومان يوم لك ويوم عليك، وبين يدي الديان لا ينفعك لا مالك ولا ذكاؤك وقوتك.. “أوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا” (القصص: 78).

كن وقافاً عند حدود الله، إذا سألت من تثق بعلمه ودينه، في أمر لا تعلمه، وسمعت الإجابة، فالزم والتزم، واصمت واحترم، ولا بأس أن تبحث عن اليسر والسهولة، ودين الله كله سهل: “مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ” (طه: 2)، لكن لا يكن همك من كثرة السؤال وتعدد من تسألهم إثارة الفتنة بين خلق الله، وتضليل عباد الله، فتكون كمن اتبع هواه بغير هدى من الله.
“فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” (النساء: 65)، قال الله هذه الآية تحذيراً لمن يرفض أمر الله وأمر رسوله والدعاة إليه من بعده، قد يختل إيمانهم وتندثر أعمالهم، وما الدعاة والعلماء إلا موقعون عن الله وعن رسول الله فيما يصدرونه من فتوى وأحكام في غير القطعيات والثوابت والكليات والأصول، ومدار الفتوى إنما يكون حول الظنيات والمتغيرات والجزئيات والفروع، وهذه تتبدل بتبدل المكان وتبدل الزمان (والزمان واحد، وإنما يتبدل الناس).

وإذا أردت الفلاح والنجاح في الدين والدنيا والآخرة فارض بأمر الله وأمر رسوله، وإن خالف ما ترجوه نفسك وتطمع إليه: “إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (النور: 51).

واعلم أخيراً أن الله الذي خلق الناس جميعاً، يعلمهم ويعلم حاجتهم ويعرف كيف يكون خلاصهم وحل ما يعترض لهم: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ” (الأنفال: 24)، فالحياة هي أن تكون تحت أمر الله وملتزماً شرعه، تخضع رقبتك له وتذل نفسك له، فترقى وتعلو وتسمو، وتحيا الحياة الطيبة، وغيرك وإن ظن أنه تملك الحياة، فما حياته إلا لهو ولعب، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون.

By Sh Jafar Hawa