أرسل إليَّ شاكياً حزيناً، يكتب وقلبه متصدع لما آلت إليه الحال: “متى ستُفتح المساجد؟ هل نصلي التراويح هذا العام؟ بالله عليكم افعلوا أي شيء لنعود إلى المساجد كما كُنا، وليكن ما يكن، كله مقدر بأمر الله، هل تجدنا ندَعُ رمضان يضيع منا هذا العام؟”… إلى غير ذلك مما تضج به قلوب الكثيرين من أسئلة وشكاوى، ممن لزموا بيوتهم ليحفظوا أنفسهم، تنفيذاً لقرارات الحكومات في الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي، ريثما تقل وتيرة عدوى فيروس كورونا المتسارعة بين الناس.

فأقول له، وآثرت الكتابة هنا لتوارد ذات الأفكار لدى الكثيرين، أولاً: نعم، كله مقدر بأمر الله، وإغلاق المساجد ذاتها قدر الله، كلنا نساق لأمر الله بتقدير الله، وقد أخبر في قرآنه: “وما تشاؤون إلا أن يشاء الله” (الإنسان: ٣٠)، فلمَ تظن أن قدر الله أن تفتح المساجد، وأن يحصل المرض بسبب ذلك، ولا ترى أن العكس ذاته قد يكون قدراً أيضاً؟ والقدر غيب، وحظُّنا منه الاجتهاد فيما نعلم درءاً لما لا نعلم، فلنسلم الأمر لله، ولنرضى عن الله فيما قدره، ولنرفع إليه الشكوى، ونلح عليه بالدعاء، لعله يكشف البلوى، ويقبل الرجوى، وهو القريب المجيب.

ثانياً: كيف يضيع منا رمضان؟ لا يضيع وقد فتح الله لنا فيه أبواباً لا تعد من سُبُل التقرب والطاعة، وما حَبْسُ البيوت اليوم إلا باب واسع آخر فيه من الخير ما لا يعلمه إلا الله، وإني إذ أقول هذا يَرِدُ إلى ذهني بعض ما يمكن لكل إنسان أن يفعله مع أهل بيته في رمضان جنباً إلى جنب مع إحياء فريضة الصيام، أفكار كثيرة، ماتعة نافعة، وأكثر ما يُمتع فيها أن العائلة كلها محط تنفيذها، وأنفع ما فيها أن العائلة تغدو رمضانية بحق، ويكون رمضان هذا مختلفاً بالتفاف هذه العائلة من جديد، وفتح صفحة جديدة لتقوية الروابط بينها وبين الله، فتقوى بين أفرادها، ويحيطها نور الرضا، وتفهم عن الله فهماً جديداً، وتحيا بروح منطلقة مطمئنة، ذاكرة لله، مُسْترشِدَة منهج رسول الله ﷺ.

إقامة الفرائض: في اجتماع العائلة في البيت فرصة لإقامة الجماعة وقت كل فرض، والجماعة تُدْرَكُ باثنين، وفي ذلك تحقيق لمفهوم نص عليه ربنا في القرآن الكريم: “واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة” (يونس: ٨٧). أما إن تعذرت الجماعة، فلا عذر بعدم إقامة الفرائض، ليقم كل فرد في العائلة بالصلاة، وليتابع الأب والأم أبناءهما، وليُبذل في سبيل ذلك الوقت والنصح والحوافز والجوائز.

إقامة السُّنن: كان السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم إذا ما قيل لهم عن عبادة أن هذه سُنة رسول الله ﷺ، تسابقوا إليها، واليوم أسفي علينا، إذا ما قيل لنا سُنة، تراخينا وتخلينا، إلا قليلاً. رمضان هذا فرصة لإقامة السنن الرواتب أولاً، ثم عامة السنن اليومية وهي كثيرة وافرة، وصلاة التراويح منها، ليجتمع أهل البيت عليها، ولِيؤم الصغارُ الكبارَ، يُعلَّمون ويُجَهَزون، يُدربون على اتمام الصلاة بأركانها، وتلاوة القرآن بأحكامها. وإن تعدد الإخوة فلتكن الإمامة دُولة بينهم، يتنافسون على ما فيه خير، وإن حصل الخطأ منهم عن غير تعمد ولهو، فمعذرة بإذن الله، فالتعلم والتنشئة الصالحة وسيلة للغاية الأسمى: عبادة الله.

ذِكرُ الله: على أن الصلاة ذِكرٌ لله حتماً، لكن القصد هنا ما كان خارج الصلاة، وما لم يحده حدٌّ أو وقت. أعظم الذِّكرِ تلاوة القرآن الكريم، وما صحَّ سنداً عن رسول الله ﷺ، وما صحَّ فهماً عن الله في أذكار الصحابة والتابعين والعارفين، فيما وافق أصول الدين ومقاصده. تجلس العائلة لأذكار الصباح والمساء، لأذكار ما بعد الصلاة، تجلس قبل الإفطار للتضرع والدعاء، وهذا من الأوقات التي تُرجى فيها الإجابة، فلا يُضيَّعْ. تجلس العائلة مرة في اليوم لتقرأ ختمة القرآن الكريم طيلة الشهر، يتدرب الأبناء على التلاوة أمام والديهم، وإن تعذرتِ القراءة فالاستماع لقارئ متقن فيه العوض، ومن سنته ﷺ أنه كان يستمع للقرآن من أصحابه، وما تعلموا القرآن إلا منه، وما أُنْزِل إلا عليه! فلا يَمْنَعَنَّ ضعف العلم بالتلاوة والأحكام أحداً أن يستمع للقرآن ممن أتقن وأجاد، فمعلم المعلمين استمع للقرآن، ورب المعلمين حث على ذلك قبله: “وإذا قُرِئَ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا” (الأعراف: ٢٠٤).

القَصص والعِبَر: تدارُسُ شيء من سيرة النبي ﷺ مع الزوجة والأبناء تعطير للمجالس، يفوح أريجها بأطيب النفائس، ما جلس أحد إليها إلا خرج بها منشرِحَ الصدر آنِسْ. تحزن معه ﷺ في لحظات حزنه، وتسعد ويتهلل وجهك في لحظات فرحه، وتجد من سيرته بلسماً دافياً، وطبيباً شافياً، لما تلقاه في حياتك من عقبات، ويلف قلبك من مُلِمّات. قد تقرأ مع العائلة أيضاً سِيَر الصحابة والتابعين، من الرجال والنساء، من أبطال التاريخ ونماذج القُدوات. وفي هذا أذكر جدتي خديجة رحمها الله، ورفع قدرها في أعلى عليين، أهدتني وأبناء عمومتي كتابَيْ: صور من حياة الصحابة وصور من حياة التابعين، للمؤلف عبد الرحمن رأفت باشا، ويالله كم من مرة قرأتهما وأعدت القراءة! وكم أحاطت قلبي لذة تقليب الصفحات نَهِماً منقطعاً عن الدنيا أيما انقطاعة! وكم جاءت أمي رضي الله عنها صباحاً لتوقظني فتجد الكتاب وقد وقع على صدري وقد طالت قراءتي له ليلاً، حتى أخذتني الاغفاءة! كل هذا ولما أبلغ الثانية عشر بعد، وليس غريباً أنني اضطررتُ بعدها لارتداء نظَّارة، بعد انحرافٍ وقُصْر في النظر! وما عرف الطبيب أن نظري إنما ازداد حدة وفراسة، وازددت بُعْداً في الفهم بعد القراءة. وما زلت في كل مرة أُقلب فيها صفحات هذين الكتابين، أجدني أقلب معهما صفحات من حياتي في عشرين عاماً خلت من حينها، وقبلها مئات من السنين خلت في حياة أبطالهما… شاهدي من هذا، ليكن للعائلة نصيب في أن تزرع في قلوب الأبناء حب القراءة، والاعتزاز بأبطال أمتنا، وصناع تاريخنا. والمجد للقراء، يعبرون الزمان إلى الماضي، ليعرفوا عن رجالاته، ويغرفوا من تجاربه، ثم يعودون إلى حاضرهم مدججين بالعلم، متسلحين بالمعرفة، ليكونوا هم قادة الطريق نحو المستقبل ومآلاته، فالمجد هم والمجد لهم، فمن رمضان، نرسم للأبناء طريق المجد حتى يعبروه، أو قُلْ حتى يَخُطُّوه.

صلة الرحم: ويح قاطع الرحم! يشعر اليوم في الحجر المنزلي بقطيعته لأرحامه، ويتجرع من ذات الكأس، لا زائر يزوره، ولا هاتف يهاتفه، ومن شغله في سعيد أيامه عن أهله وأرحامه، بات اليوم مشغولاً عنه في حزين أيامه، فغدا وحيداً. ويح قاطع الرحم! أصابته دعوة الرحم معلقةً بعرش الله تقول: “من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله” (صحيح مسلم)، فها هو اليوم يلقى جزاء ما اقترفت يداه. كم يأنس المرء عندما يتلقى اتصالاً من قريب يسأل عن حاله، ويبدي له عن اهتمامه! رمضان فرصة ثمينة لإصلاح ما أفسدته الأيام من علاقات، والحجر المنزلي ثقيل عن النفس، وحاجة المرء أن يدفع عن نفسه الضنك والكآبة والمزاج المعكر ترتفع إلى أعلى درجاتها، لذلك تُفرج عن نفسك باتصالك بأرحامك وأقربائك وتتبادل معهم أحاديث الحجر وقصص المحجورين، والتي لا تخلو من طرفة تارة، وعبرة تارة أخرى، وتفتتح بها صفحة جديدة معهم، تسمع أصواتهم، وترى وجوههم، وتتكسر الحواجز فيما بينكم، وتشرق شمس علاقة طيبة بينكم، ترسل أطيافها إلى حياتكم وتملأها أُنساً وجمالاً، وترى الوقت يمضي، وينتهي الحجر، وينتهي معه حجر العلاقات أيضاً، ويعود التقارب الاجتماعي بحقيقته بوجه جديد. وفي هذا الصدد أنصح أن تجتمع العائلة على تعدد أفرادها وتفرقهم في البلدان في وقت واحد، عبر برنامج من برامج الاجتماع العابر للقارات، يتعارفون ويتعارف أبناؤهم، يتحدثون فيما ينفع في الدنيا والآخرة، بقليل من آيات قرآنية يتلوها صغير متقن منهم، وحديث عن رسول الله ﷺ يرويه بغريبه وشرحه أحدهم، وخاطرة يتحدث بها كبيرهم أو أعلمهم… وربما زادوا فوق ذلك الكثير، لكن ليغدو الاجتماع نافعاً ماتعاً، لا أقل من هذه العناصر الثلاثة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

الزكاة والصدقة: رمضان شهر يتساوى فيه الغني والفقير، فكلهم يجوع ويعطش، بيد أن الغني له ما ينتظره على مائدة الإفطار، والفقير ما له إلا لطف الله وما يتذكره به أهل البر والإحسان، واليوم إذ تتعطل كثير من أشغال الناس وأعمالهم، تتعطل مع ذلك أرزاقهم، وتصبح الحاجة أكبر، لذلك ينبغي لمن وسع الله عليه في رزقه ألا يغفل عن حق هؤلاء الناس، وأن يقوم بواجبه الديني والاجتماعي تجاههم، فهؤلاء ابتلوا فوق فقرهم بالمنع من السعي إلى لقمة تسد رمقهم وتطفئ جوعهم، والله يضاعف العطايا في أوقات البلايا، فكيف إذا اجتمع هذا مع أوقات فضيلة كشهر رمضان؟ ليكن للعائلة دور في أن تبدع في آليات التبرع ومد يد العون، بدءاً من الحي القريب، والقريب والمحتاج، انتهاءً بكل ذي حاجة حول العالم قد يجد في مساعدتك له بصيص نور وفرج بإذن الله. صاحب الزكاة له أن يبكر في أداء زكاة ماله في مثل الظروف التي نمر بها، أو لا أقل من أن يقدم حق المال الآخر بأن يتصدق، ووسائل التبرع كثيرة جداً، ليس أقلها المواقع الالكترونية للمؤسسات الموثوقة الفاعلة في جمع الصدقات وأدائها لمستحقيها، فضلاً عن المساجد التي تنتشر في كل الأحياء والتي بمثابة ملجأ في وقت الشدائد، تتصل بهم وتوصل لهم زكاتك وتبرعاتك، ويتولون هم مسؤولية تفريقها بحق الله. تتصدق وتُضمر نية في قلبك، عسى الله أن يكَّفِرَ بها ذنباً، أو أن يفرج بها هماً، أو أن يكشف بها كربة، أو أن يشفي بها مريضاً، وعلى نيَّاتكم ترزقون.

فيا من أرسلت لي، قل لي بالله، مع مثل هذه الأعمال المباركة، التي تملأ علينا أوقاتنا في رمضان، كيف يضيع منا؟ والله لا يضيع، خذ منها ما استطعت، وطبق منها كلها في كل يوم إن قدرت، أو على الأقل طبق منها ما كان فرضاً، وتنوع في عبادتك النافلة الأخرى كيفما تريد. لا يضيع رمضان لمن أقام الصلاة، وصام النهار، وأحيا الليل، وتضرع بالدعاء، وتقرب بالزكاة، وترنم بالذكر، وغلف قلبه بالإخلاص، لا يضيع رمضان لمن أخذ رمضان بأحضانه، وتشبث به بكل أركانه، وجد فيه فرصة التقارب لما تباعد الناس، ووجد فيه حلاوة الخلوة لما حُجِرَ الناس، ووجد فيه الشفيع في يوم سيفرُّ فيه من بعضهم الناس، أما وقد فرُّوا من بعضهم اليوم أيضاً، فشفيعك في الأخرى أنيسك اليوم، ما لك إلا رمضان، ما لك إلا الله، “ففرُّوا إلى الله” (الذاريات: ٥٠)، والبوصلة رمضان، فيه تضح الغاية، ويستقر المسير، وتتحدد الوجهات.

الشيخ جعفر حوى