لم يعد مستغرباً على كل مسلم محب لرسول الله ﷺ ما يتعرض له رسول الله ‎ﷺ من حملات تشويه واعتداء على مكانته في قلوب المسلمين، فقوم جهلوا من هو محمد ﷺ لا يُتوقع منهم العدالة في التعامل مع مكانته واحترام قدره، فالجهل بشخصه الكريم هو محركهم في بغضهم وكرههم، وإن لم يكن الجهل فهو الكِبرُ والحقد كما كان ديدن السابقين حتى من بعض أقربائه ﷺ، لم نعد نستغرب، لكننا من كل بدٍ نستهجنُ ونستَنْكِر ونرفضُ بكل ما أوتينا من وسائل متاحة؛ فالإساءة لرسول الله ﷺ إساءة لكل واحد منا، والاعتداء على مكانته اعتداء على حرية كل واحد من أتباعه في الدين والعقيدة.

معذرة رسول الله، ظننا أنهم يسيئون لك برسوماتهم وأنت المحفوظ بأمر الله مكفيٌ من كل إساءة، ألم يخاطبك الله: فسيكفيكهم الله (البقرة: ١٣٧)، والله يعصمك من الناس (المائدة: ٦٧)، يا أيها النبي حسبك الله (الأنفال: ٦٤)، إنا كفيناك المستهزئين (الحجر: ٩٥)، ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم (الأحزاب: ٤٨)، ورفعنا لك ذكرك (الشرح: ٤)، إن شانئك هو الأبتر (الكوثر: ٣) … إلى غير ذلك من الآيات؟ وأنت الذي فهم شأنك وقدرك عمك العباس رضي الله عنه، يوم دخلت مكة فاتحاً وجيشك يجاوز العشرة آلاف مقاتل، يوم أمرت عمك العباس رضي الله عنه أن يقف بأبي سفيان ابن حرب على مكان عالٍ وكان قد أسلم للتو، في مكان يرى فيه كتائب المسلمين تدخل مكة، تمر كل قبيلة بلوائِها، حتى مررت يا رسول الله بكتيبتك الخضراء، لرجال لا يرى منهم إلا أحداقهم، فيسأل أبو سفيان من هؤلاء؟ فيجيبه عمك العباس: هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار، قَالَ: مَا لِأَحَدٍ بِهَؤُلَاءِ قِبَلٌ وَلَا طَاقَةٌ، وَاللهِ يَا أَبَا الْفَضْلِ، لَقَدْ أَصْبَحَ مِلْكَ ابْنِ أَخِيكَ الْغَدَاةَ عَظِيمًا. فيجيبه عمك العباس: يَا أَبَا سُفْيَانَ، إِنَّهَا النُّبُوَّةُ. ربكَ الأعلى مقامَكَ أعلى، أنت النبي وفوق الجوزاء قد جاوزت، صلى عليك الله وسلم.

معذرة رسول الله، ربما قصرنا في تعليم أنفسنا منهجك الحق، منهج الرحمة والسماحة، منهج: “لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا”، فعدا بعض من ينتسبون إليك على أرواح الآخرين باسم الله وباسمك، ظلماً وعدواناً، وأنت الذي صبرت على الأذى الجسدي والنفسي في نفسك وأهل بيتك وأصحابك طيلة خمسة عشرة سنة من الدعوة ما رفعت فيها سيفاً حتى معركة بدر، وكان الهدف من تلك المعركة استرجاع بعض الحقوق المسلوبة وليس القتال، تريد أنت أمراً ويريد الله أمراً آخر. وحين عدى الأعداء عليك وهجوك وأنى لهم، قابلتهم بذات الطريقة وألجمتهم الحجر تلو الحجر، وقد أخبرتنا أمنا زوجك الكريمة عَائِشَة، رضى الله عنها، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضَعُ لِحَسَّانَ مِنْبَرًا فِي الْمَسْجِدِ فَيَقُومُ عَلَيْهِ يَهْجُو مَنْ قَالَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فقلت مخبراً عن حسان رضي الله عنه:‏ “‏ إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ مَعَ حَسَّانَ مَا نَافَحَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ‏”‏‏.‏

معذرة رسول الله، ربما قصرنا في نشر سيرتك الحسنة بين غير المسلمين، ونقل دعوتك للعالمين، فبجهلهم رسموك، وبكفرهم جحدوك، وبسوئهم شتموك… وأنت الذي ما ضَرَبت شَيْئًا قَطُّ بِيَدِك، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ تجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا نِيلَ مِنْك شَيْءٌ قَطُّ، فَتنْتَقِم مِنْ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ، فَتنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وكم أوذيت وعوديت، وبلغ الأذى مبلغه إذ يدخل عليك ذاك التاجر اليهودي زيد بن سعنة وقد اشترى منك تمراً وأدى الثمن معجلاً على أن يأخذ التمر مؤجلاً، يدخل عليك قبل الموعد بأيام ثلاثة آخذاً بِمَجَامِعِ قَمِيصِك وَرِدَائِك ناظراً إِلَيْك بِوَجْهٍ غَلِيظٍ، قائلاً: أَلَا تَقْضِيَنِي يَا مُحَمَّدُ حَقِّي؟ فَوَاللَّهِ مَا عُلِمْتُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ سَيِّئَ الْقَضَاءِ مَطْلٌ، وَلَقَدْ كَانَ لِي بِمُخَالَطَتِكُمْ عِلْمٌ، فينظر إليه عُمَر رضي الله عنه، وعَيْنَاهُ تَدُورَانِ فِي وَجْهِهِ كَالْفَلَكِ الْمُسْتَدِيرِ، ثم يخاطبه: يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَتَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَسْمَعُ وَتَصْنَعَ بِهِ مَا أَرَى؟ فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَوْلَا مَا أُحَاذِرُ قُوَّتَهُ لَضَرَبْتُ بِسَيْفِي رَأْسَكَ، وأنت تنْظُرُ إِلَى عُمَرَ رضي الله عنه فِي سُكُونٍ وَتُؤَدَةٍ وَتَبَسَّمَ، ثُمَّ قلت قولتك المشهورة: “يَا عُمَرُ أَنَا وَهُوَ كُنَّا أَحْوَجَ إِلَى غَيْرِ هَذَا، أَنْ تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ الْأَدَاءِ، وَتَأْمُرَهُ بِحُسْنِ التِّبَاعَةِ. اذْهَبْ بِهِ يَا عُمَرُ فَاعْطِهِ حَقَّهُ، وَزِدْهُ عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ”، فيسأل التاجر اليهودي: مَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ يَا عُمَرُ، فيجيبه: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَزِيدَكَ مَكَانَ مَا نَقِمتُكَ، ليسلم بعدها ذلك التاجر وقد تيقن من أن هذا لا يكون إلا من نبي.

معذرة رسول الله إذ تمر بنا ذكراك ذكرى تلو الذكرى، بدلاً من أن نبثك رسائل الشوق بحبنا وحنيننا، نبثك رسائل الاعتذار لألمنا وحزننا، خجلى نحن على بابك يا رسول الله، حزانى نحن في حضرتك يا رسول الله، أما آن لهذا الشوق أن ينتهي؟! أما آن لحرقة أفئدتنا أن تنطفي؟! أما آن لعيوننا بك أن تلتقي يا رسول الله؟! ما توانيت يوماً عن بعثات الدعاة والسفراء تنشر دينك، حتى بعثت يوماً سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن، خَرَجَت مَعَهُ توصِيهِ، وَمُعَاذٌ رَاكِبٌ، وأنت تمْشِي تَحْتَ رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا فَرَغت قلت: يَا مُعَاذُ، إِنَّكَ عَسَى أَنْ لَا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي، وَلَعَلَّكَ أَنَّ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي وَقَبْرِي، فَبَكَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ جَزَعًا. ويكأنك تقول له إئت مسجدي لعل لك بالقرب مني عزاء، وبالمرور من جواري دواء. كلنا اليوم معاذ يا رسول الله، فهل لنا بالمرور من مسجدك وقبرك نصيب؟ تقول مخاطباً يوماً صحابتك: “وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا، قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟  فتقول: أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ…”، ثم وصفتهم وقلت: “إِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَك فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْض”؛ فهلا قبلتنا إخواناً لك يا أخي يا رسول الله؟ يا حبيبنا يا رسول الله، عهدنا لك يتجدد، وذكرنا لك يتمدد، والباطل لا شك يتبدد، والله فوق العالمين.

الشيخ جعفر حوى