نحن في السنة الخامسة للهجرة، والمدينة المنورة تضج بالحياة، وتتزين أرجاؤها فرحاً وابتهاجاً بنصر الله لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم ولمن معه من المؤمنين، على الأحزاب الذين تجمعوا وتحالفوا لاجتثاث جذور دين الله، وأنّى لهم! نصَر الله عبده وهزم الأحزاب وحده، وانتهت المعركة بهروب الأحزاب منكسرين خائبين، كلٌ يرجو الخلاص لنفسه، مخلّفين وراءهم عدتهم وعتادهم غنيمة للمسلمين، ويغنمها بالفعل رسول الله وصحابته، في ظروف اقتصادية شديدة كانت تمر على المسلمين، جاءتهم هذه الغنائم لترفع عنهم شيئاً من الضرر والمشقة، ليوسّع كل منهم على نفسه وأهل بيته، وتنتعش المدينة ويزدهر سوقها.

وبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كسائر بيوتات المدينة، زوجاته رضوان الله عليهن ينتظرن أن ينلنَ من هذه الغنائم شيئاً، وأن يشعرن بلذة الحياة وزخرفها كما الآخرون، هنّ يردن ذلك ويطلبنه، لكن لله مراداً آخر، سبحانه لا يمنع عباده مباحاً حلله لهم، بل يربي فيهم قيمة الدعوة والرسالة، وأن حاملها والذي يفتديها بنفسه لا يلتفت لمثل هذه الهدايا المؤقتة، التي تزول وتفنى، بل يبقى قلبه معلق بما عند الله، {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (القصص: 60)، وما كان الرسول صلى الله عليه وسلم ليبخل على زوجاته ببعض ما أعطاه الله إياه، وهو الكريم الذي يفيض خيره على العالمين كلهم، لكنها حقيقة الدعوة والرقي الذي يتمتع به رسل الله، حين تخلو قلوبهم من كل شيء إلا من الله.

عندما تمر سريعاً على آيات غزوة الأحزاب في سورة الأحزاب، ستجد أن الله بعدما تحدث عن نصره لعباده وأنه أورثهم الأرض والمال بعد فرار الأحزاب، تجد أن الله تحدث مباشرة بعدها بخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} (الأحزاب: 27، 28)، والعبرة من هذا الانتقال المباشر في موضوع الآيات، هو ما ذُكِرَ أعلاه من رغبة زوجات النبي أن يكون لهن نصيب مما غنمه الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام، وهذا حق لهن ليس محرماً ولا مكروهاً، لكن لسموّ مقامهن وعلوهنّ وهن زوجات النبي وقدوة لنساء المؤمنين، أراد الله لهنّ ألا يلتفتنَ إلى دنايا الأمور. ولا يعني هذا أنهن لم ينلن نصيباً من هذه الغنائم، بل إنما هو درس له ما بعده في حياة هؤلاء الزوجات الكريمات، فأتى الأمر الرباني بتخيير النبي لزوجاته كما في الآيات، بين الحياة الدنيا وزينتها، وبين الله ورسوله والدار الآخرة، ومن النظرة الأولى للآيات يتضح أن الطرف الأول من المعادلة حوى أمرين: الحياة الدنيا وزينتها، أما الطرف الثاني فقد حوى ثلاثة أمور: الله جل جلاله ورسوله صلى الله عليه وسلم والدار الآخرة، ويستحيل أن يتساوي اثنان بثلاثة، وفاز من اختار الله حقاً، ومن أجمل تعليقات المفسرين على هذه اللفتة هو تعليق الشيخ الشعراوي رحمه الله يوم قال: كما خيّرهن الله (يقصد زوجات النبي) ألهمهن الإجابة في السؤال، يقصد أن المعادلة واضحة لا حاجة لبرهان عليها، والعاقل سيختار الطرف الأكبر من المعادلة.

ثم بعد اختيارهن الصواب، وصفهن الله بالإحسان، وسماهن محسنات، وتلك منزلة راقية لا يصلها إلا من عرف قدر الله في قلبه، واتخذ منهج رسول الله سبيلاً في حياته، وإلم تكن نساء النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المقام فمن؟! اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ورسمن أجمل الأمثلة لحياة المرأة المؤمنة المتزنة الملتزمة بما يمليه عليها ربها الذي خلقها، وضربن أروع الأمثلة في التضحية لأجل الدعوة، وسَعَيْنَ يداً بيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته وفي هجرته، في عذابات قومه له وفي ساعات سكونه، في لحظات مرضه وصحته، في لحظات سفره وإقامته، في لحظات سِلمِه ومعركته، في لحظات حياته وموته.. رضي الله عنهن وأرضاهن، وملأ قلوبنا حباً لهن، هن أمهاتنا، من أحبهن فقد أحب رسول الله، ومن أرادت الرقي والسمو مثلهن، فلتقرأ سورة الأحزاب، وتقرأ ما أمرهن الله به، ولتعلم أنه لن تصل امرأة مهما وصلت منزلة أسمى منهن، وهذا منهجن، فإياه تلتزم وله تحتكم، والإحسان هو الغاية، والاتباع هو السبيل.

 By Sh Jafar Hawa