زارنا منذ أيام مجموعة من أبناء وفتيات جاليتنا الكريمة إلى المسجد من مختلف الأعمار، هدفهم أن يتعرفوا على بيوت الله، وأحكامها، وآدابها، ويرسموا صورة في أذهانهم عن رسالة المسجد، تبقى معهم في حياتهم، ليكونوا بحق عُمّاراً لهذه المساجد، وينشروا هذه الرسالة في مجتمعهم الصغير في البيت والمدرسة.. ولما كان لهذه الزيارة أثرها الواضح عليهم، آثرت أن نخصص الحديث هذا الشهر عن رسالة المسجد، لأنه يهمنا جميعاً، ولأن واجبنا جميعاً أن نقيم للمساجد وزنها، وأن نقوم بحقها، وأن تكون حقاً نبراساً لنا في بلادنا، ويرى غير المسلمين صورة مشرقة لهذا المعلَم، ولهذه الدلالة التي يتميز بها المسلمون، والتي هي منارة الحق والهدى على مر التاريخ.
لما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، أول أمر بدأ فيه كان بناء المسجد، لأنه ملتقى أفئدة المسلمين، ومهوى قلوبهم، وفيه صلاح حالهم، وفيه نهوض حياتهم، وهو منطلق حضارتهم، وكل نجاحات المسلمين في صدر الإسلام كان منبعها المسجد، وسببها رسالته الشاملة لكل مناحي الحياة وأبعادها، ولما ابتعد المسلمون عن مساجدهم، وقصروا دورها على الصلاة وحسب، وهجروا تلك البيوت وجعلوها حزنى تشكو أمرها لله، فاتهم قطار الصحوة والتقدم، وتأخروا عن ركب الحضارة والنهوض.. كيف والمسجد هو أُس الأمة ومحل اتصالها بالله، إذ أن اسمها بيوت الله. محمد إقبال رحمه الله، شاعر الباكستان، عاتب الأمة الإسلامية على أنها أهملت رسالة المسجد، وجعلته زاوية للصلاة فقط، فقال في مقطوعة شعرية:
أرى التفكـير أدركـــه خمـولٌ ولم تَبْقَ العزائم في اشتعــالِ
وأصبح وعظكم من غير نور ولا سحر يطل من المقــــالِ
وعند النــــاس فلسفــة وفكــر ولكن أين تلقين الغـــزالــي؟
منائــــركم علت في كل ساح ومسجدكم من العبــــاد خالِ!
وجلجلة الأذان بكـــــــل حي ولكن أين صوت من بـــلالِ؟لكن مجد الإسلام عائد، ورواد المساجد في ازدياد، وفضل الله غالب، ودينه يبلغ الآفاق، ببركة عمار هذه المساجد، وببركة الأجيال التي تربى في هذه الرحاب.
عمار المساجد، وما أجله من وصف! وما أحلاه من تعبير! “إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ” (التوبة: 18)، عمارة بالبناء والرفع والتعمير، وعمارة بالذكر والصلاة والدعاء والإخبات، ويصفهم سبحانه في موضع آخر بأنهم رجال: “فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ” (النور:36-37) وسأذكر هنا عدداً من الصور التي كانت في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، وكيف عمروا مساجد الله وجعلوها كالمنائر يهتدى بها في ظلمة الليل الحالك، وسأتحدث بطبيعة الحال عن صور غير صور الصلاة والذكر وتلاوة القرآن، فهي أجلى وأبهى من أن أظهرها، لكن نسلط الضوء على غيرها، وعلى بعض ما ينقصنا.
المسجد مقام التشريع وتعاليم الإسلام تعرض على المنابر: ويقول في هذا الشأن الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله: “مبادئنا تُعلَن كل يوم جمعة من على المنبر، نحن ليس عندنا أسرار ولا ألغاز، لسنا في حقائب فيها ألغام، أسرارنا وألغازنا ننثرها يوم الجمعة على الناس، ونعلن مبادئنا من على المنارة (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر)”، لا ندير شؤوننا من غرف مغلقة، بل ما نظهره حقاً هو ما يختلج في قلوبنا، ولا سر نخفيه في ديننا.

وزارة إعلام وثقافة، منتدى أدبي، تُطرَح فيه القصائد الرنانة في خدمة الإسلام: أمَا قال صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت رضي الله عنه: “إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله” (صحيح مسلم)، فرد هجاء المشركين واستهزاءهم من مسجد رسول الله بأمر رسول الله ومباركته، فقالوا الشعر في مسجد رسول الله وأنشدوه، والتقوا على مائدة الفكر والأدب، كما التقوا على الصلاة والذكر والقرآن، فالنفوس تتعب ولا بد من واحة للترويح عنها، فكان الشعر وإنشاده والأدب ومفرداته خير ما يروح عن النفوس في مسجد رسول الله.

المسجد جامعة كبرى تتخرج منها الأجيال: انظروا إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنه، دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفقهه الله في الدين، فغدا محدثاً ومفسراً وفقيهاً لا يشق له غبار، تخرج من المدرسة المحمدية ومقرها المسجد، يقول عنه مجاهد وأبو وائل، تلميذاه: “وقف ابن عباس يوم عرفة بعد صلاة الظهر، فأخذ يشرح ويفسر سورة البقرة، آية آية، حتى غربت الشمس، والله ما تلعثم، ولا توقف، ولا تنحنح، ولا سعل”. وذكروا عنه أنه تزاحم طلاب العلم على باب بيته حتى سدوا الطرقات. وكذلك الحال بالنسبة لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه، تخرج من ذات المدرسة وفاق بعلمه الجوزاء، رجل الكلمة، حتى إن ابن كثير يقول: باب في كلماته الحاصلة، التي هي إلى القلوب واصلة. سئل علي بن أبي طالب: كم بين العرش والأرض؟ قال: دعوة مستجابة!، قالوا: كم بين الشرق والغرب؟ قال: مسيرة الشمس يوماً!.

المسجد يبث روح الإخاء ويقوي الروابط بين ضيوف الله: لأنه ما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل، ولن تجد أجمل من صحبة المسجد، ولن تجد راحة وطمأنينة كتلك التي يتمتع بها زوار الله وعمار بيوته، لأنهم ما التقوا إلا لله، وما جمعهم إلا بيت الله، من المسجد نتعارف، وفي المسجد نتآلف، ومن المسجد يبدأ التعاون والتكاتف والتضامن، لا نعرف المريض أنه مرض إلا من المسجد فنزوره، ولا نعرف من فارقنا إلى الدار الآخرة إلا من المسجد فنشيعه وندعو له ونعزي به، ونعرف من سافر من ديارنا من المسجد، فندعو له بالسلامة والعودة الميمونة، نعرف من أصابه أمر محزن من المسجد فنواسيه، نعرف من أتت له بشارة من المسجد فنعيش البشارة معه؛ فالمؤمن يفرح لفرح أخيه، ويحزن لحزن أخيه.

الحديث في هذا الجانب يطول، وستكون لنا وقفات قادمة أخرى مع رسالة المسجد، وواجباتنا نحو بيوت الله، ونحو زوار الله وضيوفه.

شيخ جعفر حوى

Sh Jafar Hawa