حبس العالم أنفاسه، وتسمّر الملايين أمام شاشات التلفاز والمواقع الإخبارية يترقبون نتائج إحدى أهم الانتخابات عبر التاريخ المعاصر، وأكثرها إثارة وتشويقا، أعني: الانتخابات الأمريكية التي أجريت مطلع الشهر الحالي (نوفمبر 2020)، وتحديدا: السباق الانتخابي الرئاسي، ما بين الرئيس الحالي دونالد ترامب، ومنافسه الديموقراطي جوزيف بايدن[1].

ولئن كانت أية عملية انتخابية حقيقية، تجري في مناخ ديموقراطي مناسب، تعتبر حدثا مثيرا للاهتمام لكثير من المعنيين، حيث يترقب المتابعون بلهفة نتائج الفرز غير المعروفة مسبقا، والتي يكون هامش الفوز فيها ضئيلا جدا، قد لا يتعدى الواحد في المائة في كثير من الأحيان، إلا أن الانتخابات الأمريكية تحظى باهتمام عالمي، نظرا لما تشكله الولايات المتحدة من ثقل على مختلف الأصعدة والمستويات، باعتبارها القوة الأولى عالميا، والتي يؤدي التغير في سياساتها الداخلية والخارجية إلى تأثير كبير على مستوى العالم أجمع.

إلا أن هذه الانتخابات بالذات، تعتبر – حتى بالمقاييس الأمريكية – غير مسبوقة من حيث العديد من مجرياتها وتبعاتها، حيث أجري هذا السباق الانتخابي وسط استقطاب سياسي وشعبي غير مسبوقين، والذي اعتبره البعض أكثر من مجرد تنافس سياسي بين مرشحين، أو حزبين، وإنما هو استفتاء شعبي على القيم والمبادئ التي قامت عليها هذه البلاد، ومدى توافق وتعارض السياسات القائمة مع هذه القيم، وما ينبغي أن تتخذه من سياسيات وإجراءات مستقبلية تجاه العديد من القضايا الداخلية والخارجية والعالمية، كالهجرة والأقليات، وكيفية التعامل مع الانقسام المجتمعي، ومواجهة جائحة كورونا، وقضايا المناخ، وحقوق الإنسان، وغيرها من القضايا التي يعتبر بعضها مصيريا، مما قد يجعل من نتيجة هذا السباق محددا أساسيا للوجهة التي ستسير فيها البلاد الفترة القادمة، الأمر الذي سيكون له أثر كبير في رسم مستقبل الأمة الأمريكية، بل ومستقبل العالم أجمع.

ولست ههنا في مقام رصد مجريات هذه العملية السياسية الانتخابية، أو تحليل مخرجاتها، وتوقع تداعياتها، فهذه مهمة المتخصصين في السياسة، العارفين بأسرارها وكواليسها، الخبراء بخباياها ودهاليزها، ولست أدعي أنني أحدهم، فما إنا إلا متابع – بشكل حثيث – لهذه العملية.

إلا أن المتابعة الكثيبة لمجريات العملية الانتخابية، وما يرشح من نتائجها بشكل شبه يومي، وما يقوله المحللون حول مخرجاتها، ويتوقعه الخبراء من تداعيتها، تؤكد – بما لا يدع مجالا للشك – أن نتيجة هذه الانتخابات ستمس المجتمع المسلم في أمريكا بشكل خاص، كما ستؤثر نتائجها على العديد من القضايا التي تعني المجتمعات والشعوب المسلمة بشكل عام.

ورغم ذلك، فإننا نجد أن انخراط المجتمعات المسلمة في العملية السياسية عموما، وفي الولايات المتحدة على وجه التحديد، لم يرتق إلى المستويات المطلوبة، ولهذا أسباب متعددة، ليس هذا موضع تفصيلها.

على أنني، ومن موقع تخصصي الشرعي، أجد لزاما عليّ أن أتطرق إلى بعض القضايا الهامة في هذا السياق من ناحية دينية، وذلك من خلال وقفات ثلاث:

أولها: موقف الإسلام من العملية الانتخابية بشكل أساسي، وهل يتبنى الدين الإسلامي مبدأ “الديموقراطية” وأسلوب “الانتخابات” كوسيلة لاختيار من يمثل المجتمعات، أو يحكمها ويدير شؤنها.

أما الوقفة الثانية: فهي حول ضوابط المشاركة السياسية للمسلمين في الغرب، ومحددات الانخراط في هذه العملية، ومدى توافق أو تعارض هذه المشاركة مع القيم والمبادئ والتشريعات الإسلامية.

وأخيرا: ستكون لنا وقفة ثالثة تتعلق باستشراف مستقبل المجتمع المسلم في أمريكا، ومدى تأثره بالتوجهات والاستقطابات السياسية والشعبوية المتصارعة في هذه البلاد، وآليات الاستعداد لهذه التغيرات التي قد تعصف بالمجتمع على المدى القريب والمتوسط والبعيد.

ولا شك أن كل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى مقالة خاصة، وربما أكثر، وهو ما سأعمل على التطرق إليه في مقالاتي القادمة بإذن الله.

والله الموفق لكل خير.

الشيخ الدكتور هيثم زماعرة

[1]  تم إعلان جوزيف بايدن فائزا بهذه الانتخابات، بينما لا يزال الرئيس الحالي دونالد ترامب يرفض الاعتراف بالخسارة، وقد رفع العديد من الدعاوى القضائية في عدة ولايات من أجل إعادة النظر في نتائج التصويت فيها وعدم اعتمادها رسميا.