لا بد أنك مررتَ بمواقف من السيرة العطرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إما قارئاً لها وإما مستمعاً لراويها، ولا بد ارتسمت ابتسامة على ثغرك سروراً بموقف، ولا بد انحدرت دمعة على خديك حزناً لآخر.. لا بد أن يكون لك حظك من هذه السيرة العطرة، الملأى بالفوائد والدرر، التي قال الله في حقها وحق غيرها من السيَر: “لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ” (يوسف: 111)، والتي قال عنها السادة العلماء سابقاً: سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم للتأسّي وليست للتسَلّي، فهلمَّ بنا نتذاكر بعض مواقفه صلى الله عليه وسلم، لننالَ فيضاً من عبق العطر وشذى الزهر، ولنتزود من أخلاقه وسعة صدره ما يعيننا في تقلبات الدهر.
انظر إلى لطفه وحِلمه على زوجاته، وذكائه في حل المعضلات بأبسط الطرق، بالمزاح الخفيف اللطيف، بالكلام الذي يخرج عذباً يهدّئُ من غضب الزوجة، وكل الزوجات تغضب، حتى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم. فلقد استأذن أبو بكر الصديق مرةً على النبي صلى الله عليه وسلم فسمع صوت عائشة رضي الله عنها عالياً، فلما دخل تناولها ليلطمها، وقال: لا أراكِ ترفعين صوتك على رسول الله، فجعل النبي يحجزه، وخرج أبو بكر مُغضباً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج أبو بكر: “كَيْفَ رَأَيْتِنِي أَنْقَذْتُكِ مِنَ الرَّجُلِ؟!” فمكث أبو بكر أياماً، ثم استأذن على رسول الله، فوجدهما قد اصطلحا، فقال لهما: أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما، فقال النبي: “قَدْ فَعَلْنَا، قَدْ فَعَلْنَا” (سنن أبي داوود).
وهو الذي كان في خدمة أهله، ولم يترفع عن ذلك، بل إنما زاد هذا في شرفه وكمال خلقه، وهو الذي جمله ربه بشمائل نفيسة ثمينة، لم يكن ينظر لزوجاته على أن غاية وجودهن الطبخ والإطعام والتنظيف وملاحقة الأولاد في ما يلزمهم والسعي لخدمة الزوج ليل نهار، كما يظن كثير من الأزواج اليوم، وكما نرى اليوم في كثير من بيوتات المسلمين، ويعدُّون ذلك من صُلبِ أحكام الشريعة، بل على العكس تماماً، والشريعة من ذلك براء، فلقد وصفت السيدة عائشة رضي الله عنها حال رسول الله كزوج داخل بيته، فقد كان صلى الله عليه وسلم “يَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيُرَقِّعُ ثَوْبَهُ” (مسند أحمد). فكان تعامله مع زوجاته من منطلق الرحمة والحب، لا يرى حرجاً ولا غضاضة في أن يخدم زوجاته وأن يكون في بيته كسائر الناس، بل ويُكثر من وصية أصحابه بالمرأة، ويحثهم على معاملة زوجاتهم بالحسنى، ويسبقهم في ذلك ويتقدم قبلهم، فيقول عليه الصلاة والسلام: “خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي” (ابن ماجه).
وروت عائشة رضي الله عنها قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً، فسمعنا لغَطاً وصوت صبيان، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا حبشيةٌ (جارية) تَزْفُنْ (ترقص وتلعب)، والصبيان حولها، فقال: “يا عائشة تعالي فانظري”، فجئت فوضعت لحيَيَّ (ذقني) على منكب (كتف) رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: “أما شبعت؟ أما شبعت؟” قالت فجعلت أقول لا لأنظر منزلتي عنده” (سنن الترمذي). ناداها لترى لعلمه أن ذلك يبعث الفرح في قلبها، وهي رضي الله عنها لم تمنع نفسها ولو أثقلت على رسول الله، من شدة حبه دعاها، ومن شدة حبها انبسطت وما تركت القرب منه بل تابعت وأمعنت النظر، ومن يحظى بفرصة أن يضع رأسه على كتف النبي، ثم يتركه؟! وإن فرحها بمكان رأسها قرب رأس النبي أعظم في قلبها من النظر إلى أولئك الصغار يلعبون ويمرحون.
وتروي أيضاً رضي الله عنها تقول: “خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس: “تقدموا”، فتقدموا، ثم قال لي: “تعالي حتى أسابقك”، فسابقته فسبقته، فسكت عني، حتى إذا حملت اللحم وبدنت ونسيت، خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس: “تقدموا”، فتقدموا، ثم قال: “تعالي حتى أسابقك”، فسابقته فسبقني، فجعل يضحك، وهو يقول: “هذه بتلك” (مسند أحمد).
هذا هو نبينا، هذا هو قدوتنا، احترامه للمرأة وتقديره لها ما كان يوماً مأخذاً أو نقصاً في حقه، بل إنما كمال الكمال، وإذا أردنا حقاً نشئاً صالحاً وذرية طيبة، فلا بد أولاً أن نحسن جوار الزوجة التي هي المربية الأولى، وبصلاحها يصلح المجتمع، والله يوصي بهن: ” وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ” (النساء: 19)، والرسول صلى الله عليه وسلم يوصي بهن: “استوصوا بالنساء خيراً” (صحيح البخاري). وتتأكد هذه الوصايا مرة بعد مرة، حين تعيش الزوجة غربة عن وطنها وغربة عن أهلها، فلا يكون لها في دنياها إلا زوجها، فليتقِّ الله فيها، كما أخذها عزيزة كريمة من بيت أبيها، فلتكن عنده كذلك، بل أفضل من ذلك، لتكن بيوتنا كبيت النبي، ليكن الأزواج كمثل محمد صلى الله عليه وسلم، ولتكن الزوجات كمثل عائشة رضي الله عنها، ويا نِعمِ المَثَلْ!

By Sh Jafar Hawa